النظرية
I- النظرية من الدلالات إلى الإشكالية:
1-الدلالة العامية المتداولة للنظرية:
النظرية عند العامة رأي أو فكر أو قول يقابله الفعل والممارسة والعمل والتطبيق ، فالإنسان النظري عند العامة هو إنسان سطحي حالم بعيد عن الواقع ، إذ النظرية عندهم غير ذات قيمة وما يكسبها قيمتها هو الفعل و العمل أي أن النظرية كأفكار وتصورات وأقوال وآراء ليست ذات قيمة إلا إذا تحولت وترجمت إلى ممارسة و تطبيق على أرضية الواقع.
و لكن الملاحظ عنـد اليونان قديما عكس هذا, لنستمع إلى أرسطو وهو يقول: «الإنسان الذي يهتدي بمعطيات فن (=علم) من الفنون أعلى ممن ينتجون التجربة وحدها، فالمهندس فوق العمال اليدويين، والعلوم النظرية فوق العلوم العملية الخالصة».
2-الدلالة اللغوية:
أ- اشتقاقا:
* في اللغة العربية: تشتق كلمة "نظرية" من فعل نظر ينظر بمعنى رأى، أبصر، لمح، ووجه الشبه بين النظر بالعين والنظر بالعقل هو الإدراك. ولكن وجه الاختلاف بينهما يكمن في أننا بالعين ندرك ما هو محسوس وفردي ومرئي وظاهر في حين أننا بالعقل ندرك ما هو معقول وعام وكلي وخفي.
* في اللغة الفرنسية: تشتق كلمة (théorie) الفرنسية من كلمة (théoria) اليونانية المشتقة بدورها من فعل(théorein) بمعنى نظر ولاحظ وتأمل وهنا تلتقي الدلالة الاشتقاقية الفرنسية بل و حتى اليونانية مع الدلالة الاشتقاقية العربية.
ب- اصطلاحا:
* في اللغة العربية: جاء في" لسان العرب لابن منظور" بأن النظرية « ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم ، وقيل النظر : طلب عن علم » فالنظرية ترتيب وتنظيم لمجموعة من المعلومات بطريقة تمكننا من الحصول على معلومات جديدة أي الانتقال من المعلوم إلى المجهول .
* في اللغة الفرنسية: جاء في معجم Robert تعريفان للنظرية. فأما الأول فيقول:«هي مجموعة من الأفكار والمفاهيم المجردة المنظمة قليلا أو كثيرا والمطبقة على ميدان مخصوص». وأما الثاني فيرى بأنها:« بناء عقلي منظم ذو طابع فرضي…تركيبي».
نستخلص من هذين التعريفين بأن النظرية مجموعة من المعلومات المنظمة بطريقة أو بأخرى والقابلة للتطبيق في مجال ما، وهذا ما يفيد بأن لكل ميدان نظرياته كما أن النظرية ذات طابع فرضي احتمالي إذ هي قابلة للتعديل والتطوير والتغيير وليست ثابتة ولا نهائية ، فكل نظرية إذن هي نظرية مؤقتة و مرهونة بالعديد من المتغيرات و المستجدات العلمية و العملية .
3- الدلالة الفلسفية:
جاء في معجم لالاند أن النظرية « إنشاء تأملي للفكر يربط نتائج بمبادئ». فهو يرى في الوقت ذاته بأن النظرية بالإضافة إلى كونها بناء عقليا تأمليا يستهدف الحصول على نتائج عديدة انطلاقا من مبادئ قليلة فإنه يرى بأن للنظرية أربع تقابلات وهي كما يلي:
تتقابل أولا: مع التطبيق والممارسة إذ أن النظرية تستهدف المعرفة بينما يتوخى التطبيق تحقيق المنفعة و الاستفادة المادية.
تتقابل ثانيا: مع المعرفة العامية لكون النظرية ممنهجة ومنظمة بينما تفتقر المعرفة العامية لذلك.
تتقابل ثالثا: مع المعرفة اليقينية لكون النظرية مجرد بناء فرضي احتمالي غير نهائي.
تتقابل رابعا: مع الجزئيات والتفاصيل العلمية لكون النظرية تركيبا كليا عاما يستهدف تفسير عدد كبير من الظواهر بعدد قليل من المبادئ.
4- مفارقات وتساؤلات إشكالية:
نستنتج مما سبق أن النظرية بناء عقلي مفاهيمي مجرد يتوخى العموميات والكليات دون الوقوف على التفاصيل والجزئيات ، بناء ذو طابع فرضي احتمالي غير نهائي ولا يقيني , قابل للتطوير و التغيير طبقا للمستجدات في كل وقت و حين. كما أن لكل علم نظرياته قابلة للتطبيق فيه… ولكن هل من علاقة فعلية بين النظرية والممارسة ؟ هل هناك اتصال أم انفصال بينهما ؟ و إذا كان بينهما انفصال فهل هو انفصال طبيعي أم اصطناعي ؟ ثم إذا كانت النظرية عبارة عن ربط لنتائج بمبادئ فمن أين تستمد النظرية مبادئها تلك : هل من العقل أم من الواقع ؟ ما القيمة الحقيقية للنظرية: هل هي مجموعة من الحقائق أم أنها مجرد بناء فرضي ؟ هل هي قارة ثابتة ذات طابع نهائي أم أنها متغيرة متحولة قابلة للزيادة والنقصان ؟ تلك وغيرها هي إشكالية هذا الدرس…
II- النظرية والممارسة:
من بين الأحكام التي يصدرها الإنسان على نفسه حكمه بأن الإنسان كائن عاقل أي أنه كائن يفكر ويتأمل و يتخيل ويتصور وينظر… أي انه يكون نظريات. وهناك حكم آخر يرى بأن الإنسان كائن صانع بمعنى أنه وحده القادر على صنع ما هو في حاجة إليه من آلات وأدوات ومعدات بغية العيش الكريم أي أنه يمارس تأثيرا فعليا في الطبيعة. فالإنسان إذن يفكر و ينظر ويمارس ويطبق ولكن ما علاقة النظرية بالممارسة ؟ أهي علاقة اتصال أم انفصال ؟
جوابا على هذا السؤال نجد أنفسنا – تجاوزا- أمام أطروحتين :
1- أطروحة الاتصال: نموذج جان بياجي ومالينوفسكي:
و هو موقف يقول بأن الإنسان كائن يفكر وينظر أي لا يمكن أن ينفصل لديه التفكير عن التطبيق أي ( التصورات النظرية عن الممارسة العملية) لأن هناك علاقة جدلية بين النظرية والممارسة عند الإنسان ، أي علاقة أخذ وعطاء متبادلين بين النظرية والممارسة . فالنظرية تفضي إلى الممارسة مثلما أن الممارسة تفضي إلى النظرية. فكل منهما ينتج عن الآخر، ومن هنا فالنظرية متصلة اتصالا وثيقا بالممارسة فهما متلازمتان تلازم الفكر والصنع لدى الإنسان.
2- أطروحة الانفصال: نموذج غاستون باشلار:
وهو يرى بأن النظرية العلمية لابد لها من أن تنفصل عن الممارسة العامية لأن الممارسة العامية تشكل بالنسبة للنظرية العلمية عائقا ابستيمولوجيا أي حاجزا يحول دون تقدم العلم ، فهو يرى بأن العالم متى اعتمد على الممارسة اليومية في بناء تصوراته النظرية وقع في الخطأ وبالتالي سيشكل هذا الخطأ عائقا يحول دون تقدمه. فالانفصال هنا ليس انفصالا طبيعيا بل انفصالا اصطناعيا. فهو يرى بأن كل إنسان (عالم) يحمل بين أحشائه إنسانا عاميا. ومن تم بات على العالم أن يتخلص من الجانب العامي فيه بحيث لا يأخذ إلا بالرأي العلمي النظري العقلي الصرف وذلك بغية اتقاء الوقوع في الخطأ وإن كان يرى بأن من لم يخطئ قط لم يصب قط إذ أن من الخطأ يتعلم الإنسان.
خلاصة هذه الأطروحة أنه من الواجب علينا إحداث قطيعة ابيستيمولوجية اصطناعية بين التصورات النظرية العلمية والممارسة العملية العامية وذلك نظرا لاختلافهما شكلا ومضمونا عن بعضهما البعض: فالنظرية العلمية تتوخى الحصول على الحقيقة في حين أن الممارسة العملية تستهدف تحقيق المنفعة , كما أن النظرية العلمية تتأسس على العقل في الوقت الذي تنبني فيه الممارسة العملية العامية على الحس المشترك المتمثل في الانطباعات و الأحاسيس , أضف إلى ذلك أن النظرية العلمية بناء ممنهج صارم بينما الممارسة العامية فعل عشوائي يخلو من كل ضبط و تدقيق...
نستنتج من الأطروحتين السابقتين أننا أمام نمطين من النظرية: نظرية مقترنة بالممارسة العملية اليومية وهي نظرية تستهدف تحقيق المنفعة، ونظرية عقلية خالصة تتوخى الحصول على المعرفة وخلاصة القول أن الإنسان في حاجة لكليهما معا. ذلك لأن الأولى تمدنا بنفع مادي والثانية تمدنا بنفع معنوي.
III- وظائف النظرية:
يقول بول فولكييPaul FOULQUIE)) في تعريفه للنظرية : « النظرية بناء عقلي يتم بواسطته ربط عدد من القوانين بمبدأ يمكن أن تستنتج منه بدقة وصرامة» فالنظرية حسب هذا التعريف عبارة عن إنشاء أو بناء أو تكوين تأملي فكري عقلي نربط من خلاله عددا كبيرا من النتائج أو القوانين المستخلصة من التجارب والظواهر الطبيعية بعدد قليل من المبادئ المفسرة لها. ولكن ما هو المبدأ وما هو القانون ؟ ثم ماهي مختلف الوظائف التي تؤديها النظرية داخل سياق العلم ؟
يمكن القول تجاوزا بأن هناك ثلاثة وظائف تؤديها النظرية العلمية و هي :
1- الوظيفة الرمزية:
السؤال المطروح هنا هو متى تؤدي النظرية العلمية الوظيفة الوصفية-الرمزية ، جوابا على هذا السؤال يمكن القول بأن النظرية العلمية تؤدي الوظيفة الوصفية-الرمزية حينما تربط ظاهرة طبيعية مدروسة بظاهرة تلازمها في الحدوث أي حينما تصف الطبيعة بالطبيعة ذاتها أو حينما ترجع سبب الظواهر الطبيعية إلى ظواهر طبيعية أخرى ( مثل : ربط تساقط الأمطار كظاهرة طبيعية بتكون السحب , و هذه بتبخر المياه , و هذه ذاتها بارتفاع درجة حرارة الأرض ...الخ ) . هنا تقف النظرية العلمية على الجواب عن السؤال كيف حدثت هذه الظاهرة أو تلك ؟ فالنظرية تؤدي الوظيفة الوصفية-الرمزية حينما تقرر ما هو كائن وتقف عند حدوده بأن تعرفه دون زيادة أو نقصان .
2- الوظيفة التفسيرية:
و تتمثل في البحث عن أسباب الظواهر الطبيعية عن طريق ربطها بمبادئ أو مبدأ يفسرها، فالنظرية التي تؤدي الوظيفة التفسيرية هي التي لا تكتفي بإرجاع الظواهر الطبيعية إلى الطبيعة ذاتها بل تبحث لها عن سبب بعيد يفسرها يسمى المبدأ وهو دائما خارج عن الطبيعة وهكذا نستنتج بأن النظرية التفسيرية تربط الظواهر الطبيعية بمبادئ مما وراء الطبيعة أي أنها تربط الفيزيقا بالميتافيزيقا ، فهي إذن تسعى إلى الجواب على السؤال لماذا حدثت هذه الظاهرة أو تلك ؟ مثال ذلك أن نيوتن كان يقول دائما ناصحا علماء عصره« أيتها الفيزياء حذار من الميتافيزيقا» ولكنه مع الأسف سرعان ما وقع هو نفسه فيما حذر منه الآخرين وذلك حينما فسر الظواهر الطبيعية بمبدأ ما ورائي: فقد استنتج نيوتن من دراسته لتساقط الأجسام أن سرعة هذه الأخيرة تختلف باختلاف الوسط الذي تسقط فيه أي أنه فسر ظاهرة طبيعية بأخرى . وهنا أدت نظريته الوظيفة الوصفية-الرمزية , ولكنه أضاف بأن السر وراء تساقط الأجسام هو وجود الجاذبية ، إلا أن الملاحظ أن مبدأ الجاذبية غريب عن الطبيعة إذ أنه مفهوم ميتافيزيقي جئ به لتفسير ظواهر فيزيقية بمعنى أن نيوتن هنا قد أرجع الظواهر الطبيعية إلى ما وراء الطبيعة .و بهذا كانت نظريته الفيزيائية نظرية تفسيرية فهي تخرج عن العلم لتقع في اللاعلم وبذلك تقلص عدد المؤمنين بها ليصبحوا هم الذين يؤمنون بالمرجعية الميتافيزيقية المعتمدة فيها.
3- الوظيفة التنبؤية:
تبنى أساسا على الربط في ما بين المعارف السابقة المتوفرة لدينا للكشف عن النتائج التي من الممكن أن تترتب عنها(خير مثال لها وظيفة الأرصاد الجوية التي تمكننا من التنبؤ بما سيحدث قبل حدوثه) ، والمبدأ الأساسي الذي تنبني عليه النظرية التنبؤية هو مبدأ الحتمية الذي يفيد بأن توفر نفس الأسباب أو الشروط يؤدي بالضرورة إلى نفس النتائج ، وبطبيعة الحال أن تغير هذه الأسباب يؤدي إلى تغير النتائج .إلا أن قدرة النظريات العلمية على التنبؤ بما سيحدث قدرة محدودة وذلك نظرا لتغير أسباب وشروط الظواهر و تعذر الإحاطة بها كلية (و بالأخص في المجال الميكروسكوبي) الشيء الذي يؤدي إلى نسبية النتائج المتحققة عن طريق التنبؤ أو ببساطة يؤدي إلى الاحتمال عوض الحتمية (و هذا ما نلمسه بوضوح في مقارنتنا بين توقعات الأرصاد الجوية من جهة و ما يطرأ على أرضية الواقع من جهة ثانية ) .
IV- النظرية والواقع:
التساؤل المطروح هنا هو: ما نوع العلاقة الرابطة بين النظرية والواقع المادي المدروس ؟ أو بتعبير آخر , أيهما أساس وجود الآخر : النظرية أم الممارسة ؟
جوابا على هذا التساؤل نعرض بإيجاز شديد لأطروحتين و ذلك كما يلي :
1- الواقع التجريبي أساس النظرية:
فالواقع التجريبي هنا أو الواقع المادي الموضوعي القابل للإدراك الحسي يلعب دور الأساس الذي ينبني عليه التصور النظري بحيث أن الواقع التجريبي أسبق في الوجود من النظرية إذ أن هذه الأخيرة تستمد معطياتها وقوانينها من التجارب المجراة في أرضية الواقع المادي ( مثال ذلك أن النظرية الفيزيائية النيوطونية انبنت على أساس مختلف التجارب التي قام بها نيوطن ومساعدوه في المختبر وفي الواقع ) .
2- الواقع التجريبي أداة قياس النظرية:
وهنا يتراجع دور الواقع التجريبي إذ تعطى الأولوية والأسبقية في الوجود لبناء النظرية وبعدها نلتجئ إلى الواقع التجريبي بهدف التحقق من مدى صحة أو خطأ تلك النظرية . فالواقع التجريبي هنا يلعب دور أداة القياس ، ومن الطبيعي بل و حتى المنطقي أن يسبق المقيس أداة قياسه من حيث الوجود (مثال ذلك أننا في الميكروفيزياء نبتدئ أولا باقتراح مجموعة من الأفكار ذات الطابع الفرضي , ثم ثانيا نربط في ما بينها بعلاقات منطقية , وثالثا نستنبط منها مجموعة من النتائج لا ندري أهي صحيحة أم خاطئة , وأخيرا نلتجئ إلى الواقع التجريبي الذي إما يؤكد أو يفند هذه النظرية ) .
وخلاصة القول أن الواقع في العلم المعاصر واقعان:
- واقع ماكروسكوبي: أي واقع مؤثت بأجسام وكائنات كبيرة قابلة للإدراك الحسي أو بواسطة المجهر العادي ، وهنا تكون التجربة أسبق من التنظير بل وأساسا للنظرية .
- واقع ميكروسكوبي: هو واقع الكائنات الذرية الدقيقة المتناهية في الصغر كالإلكترونات والنوترونات و الفوتونات وهي لا ترى حتى بالمجهر الإلكتروني و بالأحرى المجهر العادي ناهيك عن العين المجردة . وهنا يكون التنظير أسبق من التجريب إذ يلعب الواقع التجريبي دور المعيار أو المقياس الذي يثبت أو ينفي مدى مصداقية هذه النظرية أو تلك .
والنظرية على العموم سواء أكانت سابقة على الواقع التجريبي أو مسبوقة به فإنها تستهدف الحصول على الحقيقة. و لكن ما هي الحقيقة ؟
إعداد : ذ. سعيد حارث