مقدمة :
تقدم الدولة نفسها على أنها تنظيم مستقل و مستقر نسبيا، يعلو على كل الأفراد و الطبقات، وظيفته الأساسية تدبير الشأن السياسي العام للمجتمع بالتوفيق بين مصالح مختلف الفئات و الطبقات المكونة له و فض النزاعات داخله و حمايته من التهديدات الخارجية. و بهذا يتأسس قيام الدولة على عناصر ثلاث لا يستقيم وجودها بدون أحدها، و هذه العناصر الثلاث هي:
العنصر البشري: و يتمثل في الشعب أو المواطنين.
العنصر المادي: و هو البقعة الأرضية التي يعيش عليها هذا الشعب.
العنصر الصوري: و يتجلى في السلطة السياسية الخاصة أو ما يسمى بالسيادة.
أما علاقة الدولة بمواطنيها فتتأسس على ضمانها للمصلحة العامة و حمايتها و المحافظة عليها. و الدولة من أجل ذلك و في مقابله تحتكر وحدها حق استعمال القوة و العنف الرمزي و المادي في علاقتها بمواطنيها و بمن يوجد تحت نفوذها و بمن يجرؤ على المس بها و بأمنها من الداخل أو الخارج.
و إذا كانت الدولة تظهر في علاقتها بمواطنيها بمظهر التعالي و الاستقلال فإن هذا يطرح إشكاليات عدة حول مشروعية الدولة و غاياتها، و كذا حول طبيعة السلطة السياسية، و أخرى حول علاقة الدولة بالحق و العنف. فما هو تفصيل ذلك؟
![]() |
| الغاية من تأسيس الدولة عند سبينوزا هي "تحرير الفرد من الخوف" |
1 المحور الأول: مشروعية الدولة و غاياتها
أطروحة جون لوك
يذهب لوك إلى أن الدولة مجموعة من الأفراد توحد بينهم غاية "المحافظة على خيراتهم المدنية و تنميتها " و كذا " معاقبة من ينتهكون حق الغير". و المقصود بالخيرات المدنية: "الحياة، الحرية، سلامة البدن و حمايته من الألم، و امتلاك الخيرات الخارجية مثل: الأرض، النقود، المنقولات...و لا ينبغي أو لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمتد إلى نجاة النفوس" من الموت. و لتحقيق هذه الغاية تسن الدولة تشريعات يسهر الحاكم أو الهيئة الحاكمة على تطبيقها بالتساوي عل الجميع. و من يجرؤ على انتهاك هذه القوانين يعرض نفسه للعقاب من خلال حرمانه من بعض الخيرات المدنية أو كلها. فالرغبة في الحفاظ على الخيرات المدنية (الحياة و الحرية و الملكية) بالاضافة إلى الخوف من العقاب (أي الحرمان من هذه الخيرات) يجعلان الحاكم مسلحا بالقوة المجتمعية لكل الأفراد. و لكن تراخي الحاكم أو الهيئة الحاكمة عن ضمان تحقيق هذه الغاية و صونها يخول للشعب ممارسة حق مقاومة الحاكم المتقاعس أو الجائر و الانقلاب عليه.
أطروحة باروخ سبينوزا
ينطلق سبينوزا من أن ماهية الإنسان أنه "كائن راغب" و بالتالي فمن الطبيعي أن تصطدم رغباته مع رغبات الغير. و لضمان حقه الطبيعي في الإستمتاع برغباته بكل حرية و في أمن و سلم كان قيام الدولة. "فالغاية القصوى من تأسيس الدولة (...) هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان". و من ثم بات ضمان الحرية و الأمن و السلم أساس مشروعية الدولة و الغاية من وجودها. و لكن "لما كانت أحكام الناس _إذا ما تركوا أحرارا _ تختلف فيما بينها كل الإختلاف (...) فإنهم ما كانوا ليعيشوا في سلام " إلا إذا تخلى كل فرد منهم عن حقه في أن يفعل ما يريد و يحتفظ لنفسه بحقه في التفكير و التعبير عما يريد بكل حرية، بحيث إنه إذا كان لزاما عليه أن يسلك وفق ما تنص عليه الدولة صونا للنظام من كل فوضى فإنه _ على العكس من ذلك _ له الحق في التعبير عن رفضه لما يعتبره قوانين جائرة مع مواصلة العمل بها في انتظار استصداره الأمر بتعديلها أو استبدالها بغيرها، و ذلك ضمانا للتقدم و التطور، و مثل هذا الشخص هو الجدير بلقب المواطن الصالح في نظر سبينوزا.
أطروحة فريديريك هيجل
"الدولة _على حد تعبير هيجل _ تبريرها في ذاتها، ممثلة للخير المطلق في هذا العالم، و سلطتها يجب أن تقبل بشكل لا مشروط من طرف الأفراد. فليس هناك إلزام أكبر لهؤلاء مثل الخضوع للدولة"، إذ هي "المعقول في ذاته و لذاته". و لهذا متى " حصرنا مهمة الدولة في ضمان الأمن و حماية الملكية و الحرية الشخصيتين، كانت مصلحة الأفراد، بما هم كذلك، الغاية القصوى التي تجمعوا من أجلها"، و سنكون حينها قد خلطنا بين الدولة و المجتمع المدني . فالدولة واقع عقلي أو عقل واقعي، إذ هي تحقق فعلي لمبدإ روحي في العالم الموضوعي و الإجتماعي في شكل أسرة ومجتمع و دولة. و من ثم فهي تجسيد للروح الموضوعي المطلق من حيث هو اكتمال تحقق الفكرة. فالدولة ليست ذات غاية خارجية و إنما هي ذات غاية باطنية إذ هي غاية لذاتها و في ذاتها. "و أما الفرد في حد ذاته فليس له من الموضوعية و لا من الحقيقة و لا من الأخلاق إلا بمقدار ما هو عضو في الدولة". و هنا يتجلى بوضوح ميل هيجل إلى التعالي بالدولة و تأليهها.
أطروحة طوماس هوبز
يرى أن الإنسان منقاد _طبيعيا_ بالرغبة في السلطة. ففي حالة الطبيعة كل واحد يرغب في السيطرة على الآخر و من هنا " حرب الكل ضد الكل " و هي حرب تهدد وجود النوع الإنساني برمته. لذا كان لابد من عقد اتفاق (Pacte) بموجبه يتنازل كل فرد عن حق استعمال القوة لصالح طرف ثالث و الذي يكون له و حده الحق في استعمال القوة و العنف: إنه الحاكم أو الدولة. فمهمة الدولة إذن هي ضمان الأمن و السلم الإجتماعي استنادا على القوة و العنف الرمزي و المادي، " فاتحاد الكثرة في كيان واحد دولة (...) و هي التي ندين لها بما نحن فيه من سلام و أمن".
أطروحة ماكس فيبر
و هو يرى بأن "هناك ثلاثة أسس للمشروعية. هناك أولا سلطة الأمس الأزلي (...) ثانيا، هناك السلطة القائمة على المزايا الشخصية الفائقة لشخص ما. (...) ثالثا، هناك أخيرا السلطة التي تفرض نفسها بواسطة الشرعية". و علاقة الفرد بالدولة علاقة خوف و أمل (ترغيب و ترهيب)، "إن الدوافع القوية جدا، المحكومة بالخوف أو بالأمل هي التي تشرط امتثال الأفراد إما خشية من انتقام القوى السحرية (الأمس الأزلي) أو من الممسكين بزمام السلطة (الزعيم)، أو الأمل في مكافأة دنيوية (القانون) أو في العالم الآخر (الدين). لكن يمكنها أن تكون مشروطة أيضا بمصالح أخرى متنوعة جدا...".
2 المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية
و يمكننا ملامسة مضمون هذا المحور من خلال الجواب على الأسئلة التالية:
· ما طبيعة السلطة السياسية؟
· و هل تنحصر هذه السلطة فيما تملكه مؤسسات و أجهزة الدولة من قوة على الإلزام و الإكراه (الشرطة، السلاح، السجن)،أم أن علاقات الهيمنة و الخضوع محايثة دوما لكل فعل اجتماعي؟
· ثم ما موقع السلطة بين التعالي عن التفاعلات الإجتماعية من حيث المبدأ و المحايثة لهذه التفاعلات من حيث واقع الحال؟
أطروحة شارل مونتيسكيو
يذهب مونتيسكيو إلى أنه "في كل دولة، توجد ثلاثة أنواع من السلط: السلطة التشريعية، و السلطة التنفيذية المتعلقة بحقوق الناس، و السلطة التنفيذية المتعلقة بالحق المدني" و هي التي نسميها اليوم بالسلطة القضائية. فأما السلطة الأولى فتضع القوانين أو تعدلها و هي من مهام الأمير أو القاضي (أما اليوم فهي مهمة البرلمان)، و أما الثانية فتهتم بإقرار السلم و الحرب و بالعلاقات الخارجية ( و هي اليوم مهمة الحكومة)، و أما الثالثة فتتكلف بفض النزاعات و إصدار الأحكام في حق المخالفين للقوانين (و هي اليوم مهمة القضاء). و أما الحرية السياسية للمواطن فلن تتحقق إلا بالفصل بين هذه السلط. فمتى اجتمعت السلطة التشريعية و التنفيذية في يد شخص أو هيأة كانت هناك قوانين استبدادية و غياب كل إمكان للحرية. و إذا اجتمعت التشريعية و القضائية في يد حاكم كان قاضيا و مشرعا في ذات الوقت وبالتالي كانت أحكامه اعتباطية بل و مزاجية. و متى اجتمعت القضائية و التنفيذية لديه كان قاضيا قامعا متسلطا.أما إذا اجتمعت السلط الثلاث في يد حاكم أو هيأة كان هناك ضياع تام و غياب مطلق لكل الحريات. لذا بات من الضروري الفصل بين السلط من أجل تحقيق العدالة و ضمان الحرية السياسية. فطبيعة السلطة السياسية حسب مونتيسكيو تتجلى في هذه السلط الثلاث ( التشريعية و القضائية و التنقيذية ) مع ضرورة الفصل بين هذه السلط بما يحقق استقلالية كل منها ويضمن لها حق مراقبة الأخريتين.
أطروحة جون لوك
النظرية السياسية عند لوك نظرية سمو و ليست نظرية سيادة (كما هي عند هوبز)، إذ أن الحاكم عنده ليس هو صاحب السيادة بالفعل و إنما السيادة كل السيادة لله وحده، و يليه الشعب أو المجتمع في المرتبة الثانية، أما الحاكم في حقيقة الأمر فهو خادم للشعب و ليس سيدا عليه. إذ أن لوك يرى بأنه "لما كان البشر أحرارا و متساوين و مستقلين بالطبع، استحال تحويل أي إنسان عن هذا الوضع و إكراهه على الخضوع لسلطة إنسان آخر دون موافقته التي يعرب عنها بالاتفاق مع أقرانه على تأليف جماعة واحدة و الانضمام إليها، أو يستمتعوا بأموالهم و يأمنوا شر من ليس من أبنائها..." فمشروعية الدولة إذن تستمد من الاتفاق و التعاقد الحاصل فيما بين مختلف الأفراد و الأطراف و الجماعات على التخلي عن القانون الفطري لحالة الطبيعة (الحرية المطلقة، المساواة بين الكل، الاستقلالية التامة...) و "الخضوع لقرارات الأكثرية و التقيد بها أمام كل فرد من أفراد تلك الهيئة؛ و إلا لم يكن لهذا العقد الأصلي الذي جعل منه و منهم جماعة واحدة معنى قط".
![]() |
| كيف تدير و تدبر الدولة الشأن العام؟ |
أطروحة ألان تورين
و هو يذهب فيها إلى أن الدولة لا يمكن أن تكون قوية إلا في ظل النظام الديمقراطي. كما أن الديمقراطية ذاتها لا يمكن أن تكون قوية إلا متى حققت الاختيار الحر للحكام من طرف المحكومين، و حملت السلطة على الاحترام التام لحقوق الإنسان المدنية منها و الاجتماعية و الثقافية، و قادتها إلى احترام المواطن كفرد يحمل "حق امتلاك الحقوق و المطالبة بها". و إذا كانت الديمقراطية تجسيدا لسيادة الشعب عبر ممثليه فإن سيادتها تفرض عليها النضال على واجهتين: من جهة ضد السلطة المطلقة (سلطة الحزب الكلياني الشمولي الواحد و سلطة الحكم العسكري)، و من جهة ثانية ضد الفردانية القصوى "فلا ديمقراطية دون الجمع بين مجتمع مفتوح و احترام الفاعلين الاجتماعيين، دون الجمع بين الإجراءات الباردة و حرارة الاعتقادات و الانتماءات، و هو ما يبعدنا في آن عن مفهوم شعبي و عن مفهوم ليبرالي للديمقراطية" (أو عن الكليانية و الفردانية معا).
أطروحة لويس ألتوسير
استنادا إلى التصور الماركسي تتجلى السلطة السياسية للدولة عنده في نوعين من الأجهزة: أجهزة قمعية مثل الحكومة، الإدارة، الجيش، الشرطة، السجون، الحاكم... ثم أجهزة إيديولوجية مثل العائلة، المدرسة، الكنيسة، الحزب، النقابة، الإعلام، الجمعيات الثقافية... و الفرق بين هذين الجهازين "في لحظة أولى يمكن أن نلاحظ أنه إذا كان هناك جهاز قمعي واحد للدولة فإنه توجد عدة أجهزة إيديولوجية للدولة. (...) في لحظة ثانية، يمكن أن نلاحظ أنه في حين أن الجهاز القمعي للدولة جهاز موحد و ينتمي كله إلى المجال العمومي فإن أغلب الأجهزة الإيديولوجية للدولة في تشتتها المظهري تنتسب، على العكس من ذلك، إلى المجال الخاص".
أطروحة عبد الرحمان بن خلدون
جاء في المقدمة حول علاقة السلطان بالرعية ما يلي: " حقيقة السلطان من له رعية و الرعية من لها سلطان. (...) فإن الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات منقبا عن عورات الناس و تعديد ذنوبهم،شملهم الخوف و الذل و لاذوا منه بالكذب و المكر و الخديعة (...) و إذا كان رفيقا بهم متجاوزا عن سيئاتهم استناموا إليه و لاذوا به، و أشربوا محبته. (...) فأكثر ما يوجد الرفق في الغفل أو المتغفل، و أقل ما في اليقظ أنه يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم.(...) إن الكيس و الذكاء عيب في صاحب السياسة لأنه إفراط في الفكر، كما أن البلادة إفراط في الجمود." فالمطلوب إذن في صاحب السلطة هو التوسط بين البطش و الرقة في الفعل و بين الذكاء و التبلد في الفكر لا إفراط و لا تفريط.
أطروحة نيكولا ماكيافيلي
من منطلق براغماتي عملي نفعي واقعي يتأسس على شعار " الغاية تبرر الوسيلة " جاء في الأمير بأن "هناك طريقتين للصراع، إما بواسطة القوانين أو بواسطة القوة. فالطريقة الأولى من شيمة الإنسان بينما الثانية من طبيعة الحيوان. و ما دامت الطريقة الأولى لا تفي دائما بالغرض، فإنه من الملائم اللجوء إلى الوسيلة الثانية. لذلك يجب على الأمير أن يجيد استعمال أسلوب الحيوان و الإنسان على حد سواء. (...) و حيث أن الأمير ملزم باستعمال أسلوب الحيوان، فعليه أن يقلد الثعلب و الأسد معا لأن الأسد لا يحمي نفسه من الشراك و الثعلب لا يقوى على التصدي للذئاب". أو على الأقل يجب التظاهر بذلك و كذا "بالرحمة و الوفاء، والإنسانية و النزاهة و التدين"و بضدها.
3 المحور الثالث: الدولة بين الحق و العنف
و تحت هذا العنوان يجدر بنا الوقوف على أسئلة عدة نذكر منها تجاوزا ما يلي:
· من أين تستمد سلطة الدولة و أجهزتها قدرتها على الإكراه و الإلزام كمقوم أساسي لاستمرارية كل سلطة؟
· هل تؤسس الدولة سلطتها على حق القوة (العنف) أم على قوة الحق (القانون)؟
· و أخيرا كيف يمكن للدولة تحقيق التوازن بين حماية الحريات و ضمان الأمن و مواجهة عنف الأفراد و الجماعات من جهة و اللجوء إلى ممارسة العنف و الهيمنة و التسلط (التسيد) من جهة ثانية؟
أطروحة ماكس فيبر
و هو يستشهد بقولة لتروتسكي جاء فيها بأن "كل دولة تنبني على القوة"، إذ أن وجودها و تحقيق غاياتها و إثبات مشروعيتها و ضمان استمراريتها كل ذلك يتطلب اللجوء إلى العنف و القوة. ليرى بأنه "يجب تصور الدولة المعاصرة كجماعة إنسانية في حدود مجال جغرافي محدد تطالب بنجاح و لمصلحتها الخاصة باحتكار العنف الفيزيائي المشروع. و ما هو بالفعل خاص بعصرنا هو أنه لا يسمح للتجمعات الأخرى أو للأفراد بالحق في اللجوء إلى العنف إلا عندما تسمح بذلك الدولة: إذ تصبح هذه الأخيرة المصدر الوحيد للحق في العنف". فما تمارسه الدولة إذن هو احتكار "الحق في العنف المشروع"، و هو لا يتناقض مع طابعها العقلاني و القانوني. و أساس مشروعية هذا الحق هو ضمان استتباب الأمن و النظام و إلا سادت الفوضى و عم الاختلال كل مجالات الحياة العامة. فالعنف إذن هو الوسيلة المميزة لممارسة الدولة لسلطتها و فرض هيبتها و هيمنتها و بسط نفوذها حماية للمجتمع من الفوضى. فالدولة وحدها إذن تحتكر حق ممارسة العنف و حق الترخيص بممارسته صونا للوطن و حماية للمواطن من العنف.
أطروحة جاكلين روس
و هي تتحدث بالأساس عن دولة الحق و القانون محددة إياها باعتبارها "دولة فيها حق و فيها قانون يخضعان معا إلى (مبدإ) احترام الشخص، و هي صيغة قانونية تضمن الحريات الفردية و تتمسك بالكرامة الإنسانية و ذلك ضد كل أنواع العنف و القوة و التخويف (...) إن سلطة دولة الحق تتخذ ملامح ثلاثة: القانون و الحق و فصل السلط،، و تضمن جميعها احترام الشخص و تسهر على تأسيس هذا الاحترام". فبفضل الخضوع للحق و القانون و الفصل بين السلط نضمن حماية الفرد و الجماعة من كل شطط في استعمال السلطة و استغلالها في غير المصلحة العامة المشتركة. فالدولة إذن لا يجب أن تقوم على العنف و القوة و التخويف لممارسة السلطة بل على الحق و القانون و فصل السلط خدمة للصالح العام و احتراما للمواطن بل و لكرامة الإنسان.
أطروحة بول ريكور
و هو يرى بأن تحديد دولة الحق و القانون يتمثل في توفر جملة من المعايير و التي تشكل الجانب المعقول للدولة. من هذه المعايير استقلالية الوظيفة العمومية (أي تكافؤ الفرص في إسناد الوظائف و ذلك حسب الإستحقاق)، و كذا خدمة الصالح العام من طرف بيروقراطية منسجمة، مع ضمان استقلالية القضاء من جهة و مراقبة البرلمان لأداء الحكومة من جهة ثانية، إضافة إلى تربية الجميع على الحرية في إطار احترام القوانين السائدة. فهذه العقلانية تمنح للدولة وجهين: وجه الدولة-المربي (المدرسة، الجامعة، الإعلام، الثقافة). ثم وجه الدولة-القوة باعتبارها سلطة. إلا "أن السلطة لا تختزل إلى فكرة العنف. فأن نمنح للدولة امتياز العنف المشروع لا يعني تعريفها انطلاقا منه، و إنما انطلاقا من السلطة"، و معنى هذا أن ما تمارسه الدولة ليس عنفا وإنما هو سلطة تضمن بها الدولة خدمة الصالح العام في ظل احترام القانون و ضمان الحريات.
أطروحة فريديريك انجلز
انسجاما مع التصور الماركسي (المادي-التاريخي) يرى بأن الدولة لم تكن منذ الأزل و لن تبقى إلى الأبد "إن هناك مجتمعات لم تكن لديها أية فكرة عن الدولة (...) إن ماكينة الدولة ستؤول إلى الموقع الذي سيصبح منذ الآن هو موضعها أي متحف الأثريات"فهي لم تكن منذ البدء و لن تبقى إلى ما لا نهاية ."إن الدولة قد تولدت عن الحاجة إلى فرملة التعارضات القائمة بين الطبقات، و بما أنها تولدت في قلب الصراع، فإنها، في الأغلب الأعم، دولة الطبقة الأقوى أي الطبقة التي تسود و تسيطر اقتصاديا، ثم بفضله تسود سياسيا و تختار بذلك وسائل لاستغلال الطبقة المضطهدة..." فالدولة بهذا المعنى ليست حكما محايدا بل هي تعبير عن صراع طبقي و نتاج لهذا الصراع ذاته.
أطروحة عبد الله العروى
تتحدد الدولة لديه عموما باعتبارها من جهة تنظيما إداريا أي جهازا يسهر على تدبير شؤون المواطنين و من جهة ثانية كأدلوجة دولوية أي ما هو ذهني و سلوكي أخلاقي، " كل من يتأمل أحوال الدولة حالا و مستقبلا يدرك بسهولة أن الجهاز وحده لا يضمن الاستقرار في عالم تتعدد فيه النزاعات العقائدية و تتحارب فيه الدول بالأجهزة و بغيرها، بل تعتمد فيه على الضغط النفساني و النقد الأدلوجي أكثر مما تعتمد على الحرب الساخنة. كل دولة لا تملك أدلوجة تضمن درجة مناسبة من ولاء و إجماع مواطنيها لا محالة مهزومة". و من ثم فإن "دولة الحق هي اجتماع و أخلاق، قوة و إقناع" أي جهاز إداري قوي و أدلوجة فكرية مقنعة، و هما محددان تفتقد إليهما الدولة العربية اليوم و من ثم فهي دولة لا شرعية لها و لا إجماع عليها.
![]() |
| "الدولة هي الصنم الجديد" حسب نيتشه |


