مقدمة عامة:
أول ما تنبغي الإشارة إليه هو أن الشخص غير الشخصية : إذ أن الشخصية ذات حمولة سيكولوجية (نفسية) تتمثل في البناء النفسي الخاص بكل شخص على حدى . أما الشخص فبالإضافة إلى كونه مفهوما ميتافيزيقيا و أخلاقيا هو كذلك ذو حمولة سوسيولوجية (اجتماعية) تتجلى في أن الشخص مرتبط بالدور الذي يلعبه الفرد داخل المجتمع و الفرد لا يلعب دورا واحدا فحسب بل أدوارا متعددة و قابلة للتغيير و التطوير بتغير الزمان و المكان و الإنسان (فالتلميذ مثلا يلعب دور تلميذ داخل المدرسة, و دور ابن داخل البيت, و دور زبون في السوق, و دور لاعب داخل الملعب...الخ). أما الهوية فهي خاصية ما هو مماثل لذاته و مطابق لها، وهي أيضا خاصية فرد أو كائن شبيه بفرد ما و الذي نقول عنه بأنه مماثل له أو إنه هو ذاته في مختلف لحظات وجوده. ومن هنا تتصف الهوية بالوحدة و الثبات، و لكن ما الذي يحدد هوية الشخص بالذات؟ ثم من أين يستمد هذا الشخص قيمته: هل من غناه أو من الدور الذي يلعبه أو من علمه أو سلطته أو نسبه أو أخلاقه؟ ثم إذا كان الشخص دائما أمام عدة أدوار عليه أن يؤديها بإتقان فهل هذه الأدوار مفروضة عليه , أم أنها من اختياره و ناتجة عن محض إرادته ؟ هل هي صادرة عن حرية أم عن ضرورة؟ هذه على العموم أهم التساؤلات التي يطرحها هذا المفهوم وسنسعى لمقاربتها من خلال المحاور الثلاث الآتية.
![]() |
| "حواسنا تخدعنا و من خدعني مرة لن أثق فيه مرة ثانية" |
![]() |
| "العقل مجرد صفحة بيضاء تنطبع عليها المعطيات الآتية عبر تجاربنا الحسية" |
1 المحور الأول : الشخص و الهوية
تحت هذا العنوان نود ملامسة جملة من التساؤلات التي تدور حول مفهومي الشخص و الهوية : ما المراد بالشخص ؟ و ما المراد بالهوية ؟ ثم ما العلاقة القائمة بينهما ؟ و ما الأساس الذي ينبنيان عليه : أهو العقل أم التجربة أم غيرهما ؟ للجواب على هذه الأسئلة و غيرها وقفنا على نصين متعارضين الأول منهما لديكارت و هو يذهب إلى أن الشخص مرتبط بالإنسان مثلما أن الإنسان مرتبط بالعقل على اعتبار أن لا إنسان دون عقل . و أن العقل نور فطري , إذ هو صورة من العقل الإلهي, فهو "أعدل قسمة بين الناس". و من ثم كان العقل عنده جوهر الذات و الأساس الذي تنبني عليه هوية الشخص. فالكوجيطو الديكارتي القائل: "أنا أفكر، أنا موجود" لا يربط الهوية فحسب بالفكر بل يشرط الوجود ذاته بالفكر أو العقل أو الذهن أو النفس و هي كلها ذات نفس المعنى عند ديكارت. كما أن الشخص و الهوية معا عند ديكارت يحملان نفس المفهوم و يشيران لنفس المعنى إذ هما معا يتأسسان على العقل، و من ثم فهما جوهر واحد ثابت ثبوت العقل لدى الإنسان.
و أما النص الثاني فصاحبه هو جون لوك و هو يرى بأن الإنسان كائن مفكر مثلما ذهب إلى ذلك ديكارت إلا أن التفكير لدى الإنسان حسب جون لوك ليس شيئا فطريا بل هو ناتج عن التجربة الحسية في الحياة اليومية و بالتالي فهو مكتسب و يتجلى في ما يسميه لوك بالوعي الممتد إلى الماضي، و هو مانصطلح عليه باسم الذاكرة. إذ أن العقل مجرد صفحة بيضاء تنطبع عليها المعلومات و المعطيات الناتجة عن خبراتنا و تجاربنا الحسية. و من هنا الفرق بين مفهومي الشخص و الهوية : فأما الهوية فتتجلى في ثبات الذات أمام نفسها و إن تغير الزمان و المكان بمعنى أني أنا اليوم هو نفسي أنا قبل عشر سنوات خلت و بالتالي فهويتي ملازمة لذاتي محايثة لهاو متطابقة معها . و أما الشخص فيتكون نتيجة مختلف تجاربه في الحياة، فالشخص إذا يتغير بتغير الزمان و المكان و سائر الحيثيات نظرا لتغير الخبرات و التجارب .
و لكن إذا كان الشخص ثابثا ثبوت العقل كما إدعى ديكارت أو ميغيرا بتغير التجارب كما ادعى جون لوك فما علاقة هذا الشخص بالمجتمع الذي يعيش فيه ؟ و من ثم ما علاقته بالدور الإجتماعي المنوط به ؟ و من أين يكتسب هذا الشخص قيمته : هل من الدور الذي يلعبه أم من مصدر آخر ؟
2 المحور الثاني : الشخص بوصفه قيمة
عبر هذا المحور نود الجواب عن تساؤلات عدة منها على سبيل المثال : هل للشخص من قيمة أم لا؟ و إذا كان الجواب بالإيجاب فما الذي يمنح الشخص قيمته ؟ و كيف تتجلى هذه قيمته ؟ جوابا على هذه الأسئلة و غيرها توقفنا عند نصين أولهما للفيلسوف الأمريكي جون راولز و ثانيهما للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط فما هو موقف كل منهما ؟
فأما راولز فيذهب إلى أن الشخص كائن اجتماعي قادر على المساهمة في الحياة الإجتماعية العامة ولعب الدور المنوط به فيها مع احترامه للحقوق و الواجبات أي أن الشخص مواطن كامل العضوية و النشاط داخل المجتمع , و ذلك بفضل كفاءتيه العقلية و الأخلاقية. فالشخص إذن ذو كفاءتين (عقلية و أخلاقية) تمكنانه من أن يكون حرا و ندا لغيره و من ثم متساويا معهم في الحقوق والواجبات و بهذا يتحقق مفهوم العدالة كإنصاف. و راولز يرى بالإضافة إلى ذلك بأن الشخص كغيره من باقي الأشخاص بفضل كفاءتيه العقلية و الأخلاقية يضمن قيمته و يحقق الهدف من وجوده و بالأخص التعاون الإجتماعي والذي يتحقق بفضل ملكين حيث العدالة و تصور معين للخير . وهما ملكتان أخلاقيتان تحققان قيمة الإنسان ككائن متعاون اجتماعيا .
و أما كانط فيذهب إلى أن الإنسان يباين الحيوان و الأشياء بفضل العقل لألا أن هذه المباينة لا تحقق للإنسان كانط فيذهب إلى أن الإنسان يباين الحيوان و الأشياء بفضل العقل لأن هذه المباينة لا تحقق للإنسان إلا قيمة نفعية خارجية , إذ يصبح بموجبها بمثابة بضاعة تقدر بثمن ما , و إن ارتفع هذا الثمن فإنه لا يتعدى وضع الإنسان كبضاعة أو سلعة ذات سعر ما . الإنسان حسب كانط يتجلى بملكتين العقل الخالص ل ( الفكر ) و العقل العملي ( الأخلاق ) , و إذا كان العقل الخالص يكسب الشخص قيمة مادية نفعية فإنه لا يخرجه عن أن يكون بضاعة مثل سائر الأشياء . أما العقل العلمي الأخلاقي فهو ما يمكن الشخص من تحقيق غايته من الوجود بأن يصبح غاية فب ذاته لا مجرد وسيلة و هذا ما يحقق كرامة الإنسان و بهذا يصبح الشخص ذا قيمة معنوية لا تقدر بثمن ( الكرامة ) و متى كان الشخص كذلك احترم ذاته و أوجب من خلال ذلك احترام الآخرين له الشيء الذي يقود إلى الإحترام المتبادل على أساس المساواة . فمتى كان الشخص متمعا بالكرامة و متحليا بالإحترام المتبادل و المساواة بينه و بين باقي الأشخاص تحقق مفهوم الفضيلة . و هو قيمة أخلاقية تفوق كل سعر مادي . نستنتج مما سبق أننا مع راولز نتحدث عن قيمة للشخص بفضل كفاءتيه العقلية و الأخلاقية بينما مع كانط لا نتحدث عن قيمة للشخص إلا بفضل العقل العملي الأخلاقي , إذ أن العقل الخالص أو ملكة الفهم لا تكسب الشخص ألا قيمة مادية مبتذلة ولكن هل هذا الشخص حر في اختياراته ة إرادته أم لا ؟ ما علاقة الشخص بالحرية من جهة و بالضرورة من جهة ثانية ؟
![]() |
| فوق معبد ديلف كتبت عبارة تنسب لسقراط تقول: "أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك" |
3 المحور الثالث : الشخص بين الحرية و الضرورة
تتأسس مشروعية هذا المحور على جملة من الأسئلة يمكن حصرها تجاوزا فيما يلي : هل الشخص حر في سلوكاته أم مضطر إليها ؟ هل الأنا مخير أم مسير ؟ أو هل سلوكاتنا القولية و الفعلية تنتج عن محض إرادتنا أم أننا نمارسها اضطرارا و بالرغم منا ؟ للجواب على هذه الأسئلة و غيرها وقفنا على نصين فلسفيين لكل من فرويد و أسبينوزا فأما سيغموند فرويد فيذهب إلى أن شخصيتنا عبارة عن جهاز ذي ثلاث مكونات : الهو و الأنا و الأنا الأعلى و هي متناقضة من حيث مكوناتها و طرق عملها و أهدافها و مصالحها ... و يبقى الأنا ( الشخص ) الجهاز الإداري للشخصية و المسؤول الأول و الأخير عنها . إلا أن هذا الأنا عبارة عن خادم لثلاثة أسياد و هم : الهو و الأنا الأعلى و العالم الخارجي و الأنا مطالب بخدمة هؤلاء الأسياد و تحقيق أهدافهم و الحفاظ على مصالحهم من أجا ضمان سلامة الشخص النفسية و إلا وقع في الإختلال النفسي فالأنا يحاول جاهدا تحقيق بعض رغبات الهو المقبولة من طرف العالم الخارجي و التي الأنا الأعلى لها بذلك كما أنه قد يؤجل بعض هذه الرغبات إذا لم تتوفر الظروف الملائمة لها أو يرفضها أو يكبثها إذا استحال تحقيقها في الواقع . و قد يعرض نفسه للحساب و اللوم و العقاب عن طرف الأنا الأعلى ( الضمير ) و الذي يجعل الأنا يشعر بالدونية و بالذنب و الندم هكذا إذا يكون الأنا خادما وليس سيدا بل مطيعا للغير و خاعا لأوامره و هنا تكمن الحتمية البيولوجية و السيكيولوجة التي يخضع لها الشخص . و أما اسبينوزا فيذهب إلى أن الحرية الإنسانية بالدرجة الأولى عبارة عن وهم إذ أن الإنسان أنه حر لمجرد وعيه بأفعاله وليس بالعوامل المحددة لتلك الأفعال . فنحن حسب اسبينوزا لدينا شعور بالحرية و ليست لدينا معرفة بالحرية . الشعور بالحرية يتجلى في وعينا و إحساسنا بسلوكاتنا , بينما المعرفة بالحرية تتحقق في معرفة قوانين الطبيعة المتحمكة في الفعال الإنسانية و لتحقيق هذا المتبغى على أن يتجاوز العوائق التي تضعها أمامه رغباته و شهواته . فأسبينوزا إذا لا يقول بأن الإنسان ليس حرا و إنما بأن الحرية تفترض و تشترط المعرفة بقوانين الطبيعة . من خلال ما سبق نستشف بأن الشخص ( الأنا ) ليس _ بصفة عامة _ حرية مطلقة بل هو خاضع للهو و الأنا الأعلى و العالم الخارجي ( حسب فرويد ) و لرغباته و شهواته و القوانين المتحكمة فيه ( حسب أسبينوزا ) و أنه لا يحقق حريته الحقة إلا حينما يعرف القوانين الطبيعية المتحكمة فيه و التي تجعله يخضع رغباته و شهواته لإرادته الحرة بعد أن كان خاضعا لها.
بقلم الأستاذ سعيد حارث


