مقدمة عامة:
1) الدلالة العامية المتداولة :
الغير في الحس المشترك هو الآخر والآخر يحتمل ثلاثة معاني بالقياس إلى الذات الفردية ( الأنا ) أو الجماعية ( النحن ) : فالغير أو الآخر هو أولا المستقل وجوديا ( جسميا ونفسيا ) عن الأنا ( أي أنه "الأنا الذي ليس أنا" على حد تعبير سارتر) ، وهو ثانيا من لا علاقة قرابة من بعيد أو من قريب تربطني به ( أي أنه الغريب أو من ليس قريبا ) , وهو ثالثا من يختلف عنى عرقيا أو سوسيو- ثقافيا ( أي أنه من ليس النحن ) .
ومن هذه الدلالات العامية الأولية نستنتج بأن:
الغير هو الآخر والآخر هو الغير إذ لا فرق بينهما عند العامة.
إلا أن الغير كآخر يتحدد بالسلب : إذ هو من ليس أنا / من ليس قريبا / من ليس النحن . والتحديد بالسلب ( أي تحديد الشيء بما ليس هو) تحديد ناقص بالمقارنة مع التحديد بالإيجاب ( أي تحديد الشيء بما هو هو ) .
ومن هنا كان الغير من جهة مدلوله مجردا غير مشخص ( فهو ليس فردا بعينه دون غيره ), ومن جهة ثانية نسبيا قابلا للتغيير: إذ أن الأخ باعتباره مستقلا عنى جسميا فهو آخر ولكنه ليس كذلك باعتباره قريبا لي. و بهذا نفهم بعض الأمثال الشعبية الرائجة مثل قولهم: أنا وأخي ضد ابن عمى، وأنا وابن عمى ضد الغريب (الأجنبي).
بناءا على ما سبق تتحدد المواقف الممكن للأنا اتخاذها تجاه الغير / الآخر في ثلاثة أساسية وهى :
موقف اللامبالاة وعدم الاكتراث حين يكون الغير نكرة / مجهولا / غريبا عنى/ لا علاقة بيني و بينه.
موقف المواجهة الرمزية أو الفعلية / الحقيقية حين يكون الغير منافسا / خصما / عدوا لي.
موقف المساندة والتضامن والتآخي والتعاون حين يكون الغير صديقا / قريبا / أخا لي.
![]() |
| جان بول سارتر : "الغير هو الأنا الذي ليس أنا" |
2) الدلالة المعجمية اللغوية:
ا_ في اللغة العربية :
جاء في لسان العرب لابن منظور تحديد الغير والآخر كما يلي: « غير حرف من حروف المعاني, تكون نعتا، وبمعنى لا... وقيل غير بمعنى سوى، والجمع أغيار. وهى كلمة يوصف بها ويستثنى ... وتغير الشيء عن حاله تحول ... والغير الاسم من التغير... وتغايرت الأشياء اختلفت» و يأتي « الآخر بمعنى غير كقولك رجل آخر وثوب آخر» وجاه في تعريف المنجد في اللغة والأعلام تعريف الغير والآخر على النحو التالي: « غير الشيء حوله وبدل به غيره، جعله غير ما كان.غاير غيارا و مغايرة: بادله, خالفه، عارضه في البيع، كان غيره. تغير: تغير وتبدل, تغايرت الأشياء اختلفت. الغير(ج) أغيار: الاسم من غير (...) غير تكون بمعنى سوى (...) نحو" جاء غيرهم " أي سواهم (...) وبمعنى لا (...) نحو " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " أي لا باغيا (...) الغيرية : خلاف العينية وهى كون كل من الشيئين خلاف الآخر» و « آخر (...) بمعنى غير, ولكن مدلوله خاص بجنس ما تقدمه فلو قلت: " جاءني رجل وآخر معه" لم يكن الآخر إلا من جنس ما قلته، بخلاف غير فإنها تقع على المغايرة مطلقا».
ومن هذه الدلالة المعجمية العربية نستنتج: بأن للفظي الآخر والغير نفس المعنى , فهما معا يفيدان المخالفة والمباينة والتمايز بين شيئين أو هويتين مع ملاحظة أن لفظ "غير" قد يأتي كنعت أو أداة استثناء أو نفي كما أنه يفيد المغايرة مطلقا في حين أن لفظ "الآخر" يظل مرتبطا بجنس ما تقدمه .
ب - في اللغة الفرنسية :
الغير Autrui في اللغة الفرنسية مشتق من الجذر اللاتيني Alter الذي يعنى الآخر Autre وقد يبدو من هذا بأن الغير هو الآخر - كما هو الحال عند العامة وفى اللغة العربية - ولكن الأمر ليس كذلك. يقول معجم روبيرRobert« الغير هم الآخرون من الناس بوجه عام» والآخر هو« من ليس نفس الشخص وما ليس نفس الشيء...»
ومن هنا نستنتج بأن لفظ الغير مخالف للفظ الآخر( في اللغة الفرنسية ) : إذ أن الغير يشير إلى الشخص الآخر إلى الأنا الآخر إلى إنسان غيري أنا في حين أن الآخر يشير إلى أي شخص غيري مثلما قد يشير إلى أي شيء آخر : فالآخر إذن أوسع من الغير. فلفظ الآخر في اللغة اللاتينية وبالأخص في الفرنسية يحمل معنى قويا يحيل على الاختلاف بمختلف درجاته: من درجة التباين والتمايز إلى درجة التعارض والتناقض الجذري. أما في اللغة العربية فلا فرق بين الغير والآخر بالإضافة إلى أن الآخر عند العرب يشير فقط إلى أحد اثنين دون أن يعنى ذلك أن بينهما اختلافا وبالأحرى تناقضا.
3) الدلالة الفلسفية:
في معرض تحديده للغير يقول الدكتور مراد وهبة في معجمه الفلسفي« غير : أحد تصورات الفكر الأساسية ويراد به ما سوى الشيء مما هو مختلف أو متميز» ويقول مفكر آخر « الغير هو آخر الأنا منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا بل بوصفه أنا آخر» أو بعبارة سارتر « الغير هو الآخر أي الأنا الذي ليس أنا » فالغير إذن أنا آخر, أنا غيري أنا . أما الآخر فهو على حد تعبير لالاند Lalande « أحد المفاهيم الأساسية الأولى للفكر ومن تم فهو غير قابل للتعريف» إذ هو من اللامعرفات Indéfinissable والآخر حسب أرسطو لا يتحدد إلا بوصفه « مقابلا للهو هو Le même بحيث أن كل شيء هو بالنسبة إلى كل شيء إما مطابق له هو هو Mêmeوإما مخالف Autre » وفى هذا يقول ابن رشد « إن الذي يقابل الواحد من جهة ما هو هو هي الغيرية » بمعنى أن الشيء الواحد هو هو( الهوية / العينية) والذي يقابله شيء غيره ( الاختلاف / الغيرية ). فالآخر إذن هو المخالف للهو هو, هو المباين للأنا, هو ببساطة أنا آخر أي أنا غيري أنا . إذ أن كل أنا هو آخر بالنسبة للآخر وكل آخر هو أنا بالنسبة لذاته .
4) مفارقات وتساؤلات إشكالية:
نستنتج مما سبق أن الأنا في معناه الفلسفي هوالذات المفكرة (انظر درس الشخص), و في معناه السيكولوجي هو الوعي, والأنا بصفة عامة ذات Sujet تقابل موضوعا Objet أو الشيء المادي الخارجي , كما أن الأنا من حيث هي كيان قائم بذاته مستقل عن غيره تتمتع بالعقل و الحرية والإرادة والتلقائية و القصدية و الفاعلية... و من ثم فهي ذات دلالة أخلاقية قيمية تستدعي الاحترام الكامل لشخصها ( شخصيتها ).
ولكن , إذا كانت المعرفة علاقة بين ذات عارفة Sujet épistémique وموضوع المعرفة Objet de la connaissance أفلا نحيل الغير باعتباره أنا آخر أي باعتباره ذاتا مستقلة عنا إلى موضوع معطى أمام ذاتنا حين نستهدف معرفته ؟ ثم كيف يمكن التأكد من وجوده كأنا أي كذات إذا كنت لا أعرفه إلا كموضوع ؟ وإذا كانت كل ذات في حد ذاتها هوية متميزة فكيف يمكن أن يتحقق التواصل بين مختلف هذه الذوات المتباينة ؟ ألا تتخلى الذات ( الأنا ) عن شيء من هويتها حينما تتواصل مع الغير ( الأنا الآخر ) أو أنها تدفع بهذا الأنا الآخر ( الغير ) إلى التضحية بشيء من هويته بغية التواصل معها ؟ كيف يمكن التواصل بين الأنا والغير باعتباره أنا آخر رغم الحواجز والوسائط المادية والثقافية المتباينة التي تحول دونهما ؟ فهل بالإمكان ردم الهوة الفاصلة بين الأنا والأنا الآخر دون استلاب أو عنف أو تشيييء ؟ تلك و غيرها هي إشكالية هذا الدرس.
1 المحور الأول: وجود الغير
1) في الفلسفة اليونانية :
طرحت الفلسفة اليونانية إشكالية الغير أو بالأصح الآخر طرحا وجوديا ( أنطولوجيا Ontologique) ميتافيزيقيا Métaphysique وذلك من خلال مفهومي الهوية Identité أو الذاتية أو المطابقة ( العينية ) من جهة والاختلاف أو المباينة أو التمايز( الغيرية ) من جهة ثانية . فقد كان هيراقليطس ( 540-475 ق.م ) يرى بأن « الأشياء في تغير متصل » ف« أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين إذ أن مياها جديدة تجري من حولك أبدا » بل« نحن ننزل النهر ولا ننزل (من حيث أن مياهه تتجدد بلا انقطاع ) ونحن موجودون وغير موجودين ( من حيث أن الفناء يدب فينا في كل لحظة ) » « فالشقاق أبو الأشياء وملكها» ومعنى هذا أن التغير والتمايز والاختلاف شريعة الوجود إذ أن ذاتية الشيء وما به هو هو تتغير باستمرار و من ثم فلا وجود لهوية أو ماهية أو خصائص ثابتة : فالأنا هو في الوقت ذاته لا أنا أو آخر والآخر هو في الوقت ذاته لا آخر أي غيره.
وعلى العكس من هيراقليطسر ركز بارمينيدس ( 549- ؟ ق . م ) على أن الوجود وحدة وتجانس وسكون «فالوجود موجود و اللاوجود ليس موجودا» والمراد أن الشيء الواحد هو هو, أي هو ذاته ( مبدأ الهوية Principe d'identité) ولا يمكن أن يكون هو غيره ( مبدأ عدم التناقض Principe de non contradiction) فالشيء الواحد يظل واحدا في ذاته وصفاته مطابقا لنفسه مفارقا لغيره و مخالفا له.
ونفس هذا الموقف سيتبدى في فلسفة أرسطو التي ترى بأن كل موجود - بما في ذلك الإنسان نفسه - يكون بالنسبة إلى ذاته هو هو ( Le même) أي مطابقا لها ويكون بالنسبة إلى الغير آخر (L'autre) أي مخالفا له.
ولكن الآخر في الفلسفة اليونانية لم يتخذ دوما صورة أنا آخر لأن التقابل الذي أسسته هذه الفلسفة كان بين الإنسان من جهة والعالم من جهة ثانية, الشيء الذي جعل الآخر يكون أي شيء غير الأنا (إلها, طبيعة,إنسانا) وليس بالضبط ذاتا إنسانية أخرى، ولذا كان الأجذر مع اليونان أن نتحدث عن الآخر لا عن الغير...
![]() |
| جان بول ساتر : "الجحيم هم الآخرون" |
2)في الفلسفة الحديثة والمعاصرة :
أ- أطروحة ديكارت :
يتبدى الموقف الديكارتى من وجود الغير ( الآخر ) من خلال الكوجيطو (Le cogito) «أنا أفكر ، أنا موجود» إذ أن الأنا الديكارتي هنا يعيش عزلة أنطولوجية عن الغير حينما يضع نفسه كأنا مفكر لا شك في وجوده مقابل الآخر ( الله والعالم والإنسان ) القابل للشك بل والمشكوك في وجوده أصلا . ومن هنا يكون " الأنا أفكر" هو الحقيقة الوجودية اليقينية الوحيدة والتي لا يسع العقل السليم إلا أن يؤمن بها بكل بداهة ووضوح في حين أن وجود الغير ( الآخر) - حسب هذه الذاتية العقلانية الديكارتية – يظل متوقفا على حكم العقل واستدلالاته. ومن هذا نستنتج بأن "الأنا أفكر" الديكارتي أنا وحدوي موجود ( أنا وحدية أو إنية Le solipsisme) أنا موجود ليس فقط قبل وجود الآخر بل و في استغناء تام عن وجوده، وفى هذا يقول ديكارت : « كيف أجد في ذاتي أنا الحجج والأدلة على وجود الغير, والحال أن إدراك وعي آخر من طرف وعيي أنا ، ينافى معنى الوعي بوصفه حضورا للذات إزاء نفسها؟». solipsisme (du latin solus, seul, et ipse, soi-même).
ومن الانتقادات الموجهة إلى الموقف الوجودي - الذاتي - العقلي - الديكارتي هذا نذكر تجاوزا ما يلي :
المصادرة على المطلوب : وتتمثل هذا في كون ديكارت عوض أن يثبت وجود الأنا ( كمطلب أساسي) التجأ إلى التسليم بوجودها من خلال قوله « أنا أفكر, أنا موجود » فهو هنا لا يثبت وجود الأنا بقدر ما يسلم بوجودها ( أي يصادر عليه ).
أن " الأنا أفكر" لا بد له من أن يفكر في شيء (موضوع أو كائن ما) وهذا الشيء أو الموضوع أو الكائن أسبق في الوجود بالضرورة المنطقية ممن يفكر فيه و بالتالي فإن وجود المفكر فيه ينفي عن المفكر أسبقيته في الوجود. وفى هذا يقول غابرييل مارسيل « لا أملك إدراك نفسي كموجود إلا من حيث أنى أدرك نفسي أنني لست الآخرين, أي أني غيرهم، وأذهب إلى أبعد من هذا فأقول إن من ماهية الغير أن يوجد, ولا أستطيع أن أدركه بوصفه غيرا دون أن أفكر فيه بوصفه موجودا, والشك لا ينبثق إلا بقدر ما تضعف هذه الغيرية في ذهني».
ب- أطروحة هيجل :
وعلى العكس من الموقف الديكارتي الذاتي يرى هيجل بأن الوعي ( الفكر/ العقل ) – ومن خلاله الأنا - ليس كيانا ميتافيزيقيا مجردا ثابتا مطابقا لذاته مستقلا بها عن غيره ومعطى جاهزا وتاما منذ البدء , بل الوعي عند هيجل كيان يتكون و ينمو و يتمظهر ويتجلى في المعيش اليومي باستمرار انطلاقا من الوجود الطبيعي الحيواني للإنسان إلى أن يصل أعلى درجات التطور ( المطلق ) عبر مختلف لحظات الصيرورة الزمكانية - التاريخية...
فحين يكون الإنسان مرتبطا بإشباع رغباته البيوفيزيولوجية مباشرة من الطبيعة يكون في الوقت نفسه مجرد جزء لا يتجزأ منها بحيث أن وعيه لذاته حينما يكون منغمسا في الحياة العضوية - الحيوانية, ذا وجود لذاته بسيط للغاية. وحتى يتأتى له تجاوز هذا الوضع الأولي المعطى عليه أن يسعى إلى انتزاع الاعتراف به من طرف الآخر ( الغير ). ولكن انتزاع هذا الاعتراف ليس بالأمر الهين خاصة وأن الأنا و الآخر معا يرغبان فيه , ومن هنا فإن تحقيقه يتطلب الدخول في منافسة و صراع جدلي Dialectique يغامر فيه الطرفان معا ( الأنا والآخر ) بحياتيهما , إذ أن كلا منهما سيقدم نفسه إلى الآخر كما لو كان غير متشبث بالحياة و مستغن عنها رغبة منه في جر الآخر واستدراجه إلى التخلي عن مواجهته واللجوء إلى الاعتراف به . و لكن هذا الصراع لا يمكن أن يستمر إلى مالا نهاية من جهة، كما لا يمكن أن ينتهي بموت أحد الطرفين من جهة أخرى وذلك لسببين على الأقل: أولهما أن وراء إظهار المخاطرة بالحياة هناك غريزة حب البقاء والحفاظ على الذات, و الدليل عليها رغبة كلا الطرفين في إثبات وجوده وتحقيق وعيه لذاته. وثانيهما أن موت أحد الطرفين سيحول دون تحقيق الهدف المنشود من وراء هذا الصراع ألا وهو انتزاع الاعتراف بالأنا من طرف الآخر ( الغير ). إذن لا بد من أن ينتهي هذا الصراع بتفضيل أحد الطرفين للحياة على الموت , وحينها سيستلم للآخر و يعترف به . وبهذا تنشأ العلاقة الإنسانية الأولى: علاقة السيد بالعبد, الأول مستقل بذاته موجود من أجلها والثاني تابع للأول وموجود من أجله.
ومن هذا نستنتج - مع هيجل - بأن لا وجود للأنا ( وعى الذات ) والغير ( وعى ذات آخر ) في استقلال عن بعضهما. إذ أن الأنا والآخر ينبثقان من علاقتهما ببعضهما وليس قبلها . ومعنى هذا أن الأنا لا يكون أنا إلا بالعلاقة مع الغير( أنا الآخر ) وإن كانت هذه العلاقة علاقة صراع وحرب . فوجود الغير إذن وجود ضروري لوجود الأنا ولا يمكن اعتباره وجودا جائزا وبالأحرى قابلا للشك كما ادعى ديكارت . وفى هذا يقول هيجل «فبما أن كلا منهما من أجل ذاته فليس هو الآخر. ولكن كلا منهما يظهر في الآخر ولا وجود له إلا بوجود الآخر » .
ونفس هذه النتيجة ينتهي إليها سارتر رغم اختلاف تصوره للعلاقة مع الغير عن التصور الهيجلي يقول سارتر « لكي أتوصل إلى حقيقة كيفما كانت حول ذاتي, لا بد لي أن أمر عبر الآخر ( الغير). إن الآخر لا غنى عنه لوجودي , كما لا غنى لي عنه في معرفتي لنفسي » ولكن إذا كانت معرفة الأنا لذاته تمر عبر الغير ، فهل معنى هذا أن معرفة الغير ممكنة ؟
ج- أطروحة ميرلوبونتي:
يرى بأن الغير موجود بالضرورة و وجوده ليس مجرد موضوع كما ادعى جيل لاشوليي (موضوع لعلم البيولوجيا و الفيزيولوجيا و علم التشريح) بل للغير وجود مزدوج : وجود في ذاته كشيء و كجسم يشغل حيزا من المكان و يلتقي في هذا مع سائر الأشياء الممتدة. ثم وجود لذاته أي كوعي و هو يتصف بأنه لا يتبعض إذ لا أجزاء له . فالغير إذن كائن ذو شكلين من الوجود شكل مادي ظاهر يلتقي فيه مع الحيوانات و الأشياء ثم شكل معنوي خفي ينفرد به الإنسان عن سائر الكائنات. و من ثم فأنا بالنسبة للغير ذو نمطين من الوجود مثلما أن الغير بالنسبة لي هو كذلك. و من ثم فأنا حينما أدرك الغير فإنني أدرك شكله المادي الظاهر و يخفى عني الجانب المعنوي (الوعي الخفي).
د- أطروحة سارتر:
وهذا سارتر يرى بأن الغير غير قابل للشك في وجوده على اعتبار أنه موجود أصلا و دليل وجوده حسب سارتر هو ظاهرة الخجل . فالخجل : خجل للأنا أمام الأنا بسبب وجود الغير أي انه خجل الذات أمام نفسها من جراء وجود الغير . فلولا وجود الغير لما خجل أحد من نفسه. فالغير إذن يسبب لي الخجل بل و الشقاء و التعاسة بسبب توسطه بيني و بين نفسي . إذ هو يراقبني و يحاسبني و يلومني بل و أحيانا يعاقبني و من هنا فهو يحد من حريتي, ولكن ألا يمكن الإستغناء عنه ؟ في الحقيقة الغير بمثابة مرآة _ حسب سارتر _ عبرها أستطيع رؤية نفسي و معرفة حقيقة وجودي " أنا في حاجة للغير لأدرك إدراكا كاملا كل بنيات وجودي " فالغير إذا شر لا بد منه و لا يمكن الإستغناء عنه أو كما قال سارتر " الجحيم هم الآخرون ". و من هنا فالغير يتجلى في شكلين من الوجود: وجود ايجابي إذ يمكنني من معرفتي بذاتي، و وجود سلبي إذ يحد من حريتي.
ه- أطروحة هوسرل:
و فيها يبتدئ هوسرل بانتقاده للكوجيطو الديكارتي. فإذا كان ديكارت يقول " أنا أفكر إذن أنا موجود " فإن هوسرل يقول " حينما أفكر فأنا أفكر في موضوع ما " و هذا الموضوع قد يكون شيئا (كائنا غير عاقل) أو شخصا (كائنا عاقلا) و إذا كنت أفكر في هذا الشخص فإذن هو موجود إذ لا يعقل أن أفكر فيه دون أن يكون موجودا. و هذا الشخص أو الغير يوجد كموضوع أدركه ضمن باقي موضوعات العالم و كذات تدركني مثلما تدرك العالم. فهو إذن ذات تختزن تجربتها و تجربة الغير كما أنه يحضر في الذات عبر تجاربها. الغير إذن ذو وجود مزدوج: كذات تدركني و كموضوع أدركه.
2 المحور الثاني: معرفة الغير
ا- أطروحة سارتر:
وخلاصته أن معرفة الغير ليست بالأمر المستحيل كما أنها ليست بالأمر الهين إذ هي من الصعوبة بمكان, كما أنها ليست موضوعية بل ذاتية , فما تفصيل ذلك إذن ؟
في البدء يعرف سارتر الغير بأنه هو الآخر أو الأنا الآخر أي الأنا الذي ليس أنا . وبين الأنا وما ليس أنا هناك ال " ليس" كنفي يشير إلى العدم , عدم يفصل بين الأنا والغير , عدم يتمثل كهوة لا تعبر , هوة ذات طابع مادي واقعي مكاني (جغرافي) يقاس بالمترات والكيلومترات أو ذات طابع معنوي نظري فكري (ثقافي) يقاس باختلاف الرؤى و الأفكار والتصورات ... هذا بالإضافة إلى أن الغير يتبدى للأنا مثلما أن الأنا يتبدى للغير كجسم مادي محسوس أي كشيء يدرك شأنه شأن سائر الأجسام / الأشياء .
والنتيجة الخطيرة التي تنحدر منطقيا عن مثل هذا الافتراض _على حد تعبيره_ هي أن كينونة الأنا لا ينبغي أن تتأثر وتنفعل بكينونة الغير و العكس بالعكس تماما مثلما هي علاقة سائر الأشياء بعضها ببعض. فإذا كانت الطاولة لا تفرح لميلاد الكرسي وهذا لا يحزن لاختفاء الطاولة فإن على الأنا ألا يتأثر لظهور أو اختفاء الغير والعكس صحيح . وبهذا المعنى تصبح علاقة الأنا بالغير لا علاقة إنسانية - بالمعنى المتداول - بل علاقة لاإنسانية ، علاقة حياد أو بالأصح علاقة تشييئية معها يتحجر الأنا تحت نظرة الغير ويتحجر الغير تحت نظرة الأنا , هكذا إذن يصبح كل منا (الأنا والغير) بالنسبة إلى الطرف الثاني و تحت نظرته موضوعا تحت المراقبة و المحاسبة والملامة و لربما العقاب. وبهذا المعنى نفهم قولة سارتر المدوية: « الجحيم هم الآخرون ».
وهكذا نصل - حسب سارتر - إلى أن معرفة الغير لا تنبني على ما هو عليه كذات تتمتع بالحرية والإرادة و الاستقلالية و الوعي و الفاعلية و العفوية و القصدية... بل تنبني على كيفية تصور الأنا لهذا الغير كموضوع معطى للإدراك الحسي.
وهذا يعنى أن الغير كصورة في ذهني ليس نسخة طبق الأصل الموجود بالفعل أي ليس هو ما هو في الواقع بل هو صورة من رسم الأنا , صورة ملؤها الانطباعات الحسية للذات العارفة , صورة مطبوعة بالذاتية Subjectivité . وفي هذا يقول سارتر : «.. علي أن أكون الغير بوصفه تلك الوحدة التي أضفيها بتلقائيتي (حساسيتي وإدراكي) على كثرة متنوعة من الانطباعات الحسية, أي أنني أنا الذي أكون الغير ضمن حقل تجربتي. ولن يكون الغير حينئذ, سوى صورة ( ذهنية ) ...» من وحي و رسم الأنا.
ب- أطروحة مالبرانش:
أما مالبرانش فيذهب إلى أننا غالبا ما ننطلق في معرفتنا بالغير من افتراض أن بإمكاننا أن نعرفه إنطلاقا من ذواتنا. أي أن المرء متى كان مدركا لمشاعره و أحاسيسه و ذاته كان في الوقت ذاته مدركا للغير أو على الأقل قادرا على ذلك، إذ أن معرفة الغير تمر عبر معرفة الذات. و لكن هل ذاتي أنا مماثلة تمام المماثلة أم مخالفة لذوات الآخرين ؟ جوابا على هذا السؤال يرى مالبراش أنه بما أن للجسم دورا فيما أحس به و أدركه، و بما أن أجسامنا متباينة من حيث قدراتها و ملكاتها فإن ادعاء معرفة الغير انطلاقا من ذواتنا ادعاء مرفوض و مردود. فذاتي أنا مخالفة لذات الغير و بالتالي لا يمكن إسقاط مشاعر و أحاسيس و انطباعات الأنا على الغير و هذا ما يجعل معرفتنا بالغير انطلاقا من الذات معرفة لا تركن إلى الصواب. " وهكذا فالمعرفة التي نكونها عن الآخرين كثيرا ما تكون معرضة للخطأ إن نحن اكتفينا بالحكم عليهم اعتمادا على الإحساسات التي كوناها عن أنفسنا ".
ج- أطروحة ميرلوبونتي:
ينطلق ميرلوبونثى في عرض موقفه برفضه لموقف سارتر من علاقة الأنا بالغير مركزا على أنها - في اعتباره - ليست علاقة بين أشياء أو موضوعات _كما اعتبرها سارتر_ بل هي علاقة بين أحياء أو ذوات. ومن ثم فإن نظرة الأنا للغير - والعكس بالعكس - لا يمكن في نظره أن تشل فاعليته وتحد من حريته وتميت تلقائيته وتقضى على إرادته... إلا إذا تقوقع الأنا حول نفسه ككوجيطو أي كذات مفكرة و غض الطرف عن كل ما هو إنساني فيه وأحل الغير كموضوع تحت المجهر شأن فعل العالم إزاء الحشرة في المختبر. فهل الإنسان مجرد شيء أو فأر تجربة ؟ وهل تتم معرفته كما تعرف سائر الأشياء ؟ ثم هل تتحدد إنسانية الإنسان وتتحقق معرفته بذاته و بغيره بالفكر وحده؟
جوابا على هذه الأسئلة وغيرها يرى ميرلوبونتي أن ادراك الغير يصطدم بأننا نقف فيه على ما يبدو لنا منه أي ملامحه وسلوكاته. و من هنا نعتقد أننا نعرف الغير من خلال معرفتنا بما يبدو لنا خارجيا منه، فنحس بالحزن لحزنه و بالفرح لفرحه و من ثم نشاركه حزنه و فرحه ذاك. و قد يعتقد البعض بأن ما يبدو على محيا الغير و من خلال سلوكاته غير ما تخفي دواخله من أحاسيس و مشاعر. إلا أن ميرلوبونتي يرى بأن الجسم و الوعي أو الخارج و الداخل معا يشكلان شيئا واحدا إذ لا ثنائية هناك، "أنا جسدي". إلا أن ميرلوبونتي مع ذلك يرى بأننا هنا نكون أمام وضعيتن وضعية الغير و هي وضعية معيشة واقعية، تجريبية، متحققة في الواقع الحي، ثم وضعية الأنا و هي وضعية مستحضرة، شعورية، ذهنية تتم على مستوى الخيال أو الذاكرة. و نحن مهما شاركنا الغير أحزانه ومسراته لا يمكننا أن نعيش نفس وضعيته و إن اعتقدنا ذلك. و للتخفيف من حدة هذه المفارقة فإن وعي الأنا و وعي الغير يقومان "ببناء وضعية مشتركة يتم التواصل من خلالها". و التواصل ظاهرة إنسانية بامتياز, من خلالها وحدها يتمكن الأنا من إدراك الغير - والعكس بالعكس - إدراكا يمر عبر التفهم والتقبل الوجداني العاطفي ذي الطابع الإنساني وليس عبر التحليل والتركيب العقلي الفكري الجاف. فالتواصل المبنى على أساس التعاطف هو وحده الكفيل بخلق التعارف بين الأنا والغير و بين الغير والأنا. ومن هنا فإن الغير بالنسبة للأنا - حسب ميرلوبونتي - يبقى مجهولا ومن ثم متعاليا عن إدراكي ما دام « لم ينبس بعد بكلمة ... لكن ما أن ينطق بكلمة حتى يكف عن التعالي علي : هو ذا صوته وهى ذي أفكاره , هو ذا المجال الذي كنت أعتقد أنه يستعصى علي بلوغه. فلا يعلو كل وجود معين على الآخرين بصورة نهائية إلا حين يبقى عاطلا » أي حين يبقى صامتا و بعيدا عن الدخول مع الغير في علاقات تواصل, علاقات الاعتراف المتبادل بكل منهما في فرديته وحريته كأنا قائم بذاته و في ذاته و لذاته...
والذي نخلص إليه من هذا هو أن هنا كذلك تكون معرفتنا بالغير معرفة ذاتية إذ أنها تتأسس على مشاعر وأحاسيس الأنا تجاه الغير, أي على مدى التعاطف الوجداني أو التنافر العاطفي القائم بينهما. ذلك أنه بقدر معايشة الغير والتعاطف والتواصل معه يكون تفهمه والتعرف عليه أو معرفته.
![]() |
| "La dictature du "On |
3 المحور الثالث: العلاقة مع الغير
ا- أطروحة هيدجر:
و هو يرى بأن الإنسان أحد موجودات هذا العالم و لكنه يختلف عن سائر هذه الموجودات بخصوصيات منها أولا ذاتيته و فرديته و ثانيا محدوديته في الزمان و المكان: فالأنا أو الوجود-هنا الدزاين Dasein (الآنية) وجود قذف به فسقط أو وقع أو حط في هذا العالم. و هو بذلك وجود غير ضروري إذ كان بالإمكان ألا يكون، بحيث أن وجوده و عدمه سيان، على اعتبار أنه لا يوجد وفق إرادته و إنما هو وجود ألقي به في الموجود فكان Déréliction. ثم "إن العالم الذي أوجد فيه هو دائما العالم الذي أتقاسمه مع الآخرين، لأن الوجود-في-العالم هو وجود-في-العالم-مع-... فعالم الوجود-هنا هو عالم مشترك"، عالم أتقاسمه و أشترك فيه مع الآخرين. و هؤلاء الآخرون لا يمثلون ما أنا إياه و لا ما لست إياه إذ أنهم ذوات تشبه الوجود-هنا (الدزاين) و تختلف عنه في ذات الوقت. و بهذا فالوجود-هنا ليس مستقلا تمام الاستقلالية عن سائر الذوات الأخرى، بل هو وجود-في-العالم-مع-الآخرين. و هذا الوجود يتمثل فى صورتين: وجود حقيقي (أصيل) و وجود مزيف (غير حقيقي و لا أصيل). فأما الوجود الزائف فيتسم بالنمطية و الإغراق في الحاضر و ذلك بالإبتعاد عن الإختيارات الذاتية و الإمكانات و القدرات الخاصة و تلبية رغبات الذات الشيء الذي يقود إلى التبعية لإرادات الآخرين فيسقط الفرد في الإغتراب كحالة ينعزل فيها هذا الفرد عن ذاته فيغدو وجوده غريبا عنه. و بهذا فإن الحياة اليومية تفرغ الذات من الوجود الحقيقي المستقل فتصبح بذلك مهددة من طرف الغير أو "الهم" "On" و هذا ما يجعل من وجود الغير تهديدا لهوية الأنا، و هو ما يسميه هيدجر بديكتاتورية "الهم" (la dictature du "On"). و أما الوجود الحقيقي فيتسم باتخاذ الفرد للقرارات عن وعي كامل بالأوضاع و الظروف و الحيثيات التي تحيط به، و ذلك وفق اختياراته و قدراته و انتظاراته... و من تم ضرورة تحمله لكافة مسؤولياته.
ب- أطروحة كريستيفا:
وتذهب إلى أن الغير ليس فقط هو ذلك الغريب المخالف لنا و الذي بحضوره قد يؤثر فينا فننفر منه و نرفضه أو نقصيه ونبعده عنا، بل " الغريب يسكننا على نحو غريب "، بمعنى أن الغريب يوجد داخل كل واحد منا وهو يتمثل فينا من خلال اللاشعور الذي يسكننا دون استشارتنا و يؤثر فينا و يفعل فعله فينا دون إرادتنا. و لكننا رغم ذلك فإننا نتعايش معه و نقبله بل و نلتمس له الأعذار نيابة عنه، و من هنا يمكن القول بأن الجماعة التي تعتبر نفسها منسجمة فيما بينها و تنسب كل خلل يصيبها إلى الغريب الذي قد يقتحمها مخطئة في ذلك. إذ أن كل فرد من أفرادها يحمل غريبة معه، و من ثم فدواعي الشقاق موجودة فيها قبل أن يحملها معه الغريب المفارق لها. إذا كان الأمر كذلك فما السبيل إلى تجاوز السلبيات المحتملة لهذا الغريب المنفصل عنا؟ جواب كريستيفا هو ضرورة تقبله و عدم النفور منه و الاقتراب منه و عدم إقصائه . فإذا كان الغير غريبا بالنسبة للأنا فإن الأنا كذلك غريب بالنسبة للغير، فنحن إذن كلنا غرباء. و لذا وجبت معاملة ذاك الغير الغريب مثلما نود من هذا الغير أن يعاملنا نحن كذلك. فإذا كان الغريب الذي يسكننا بالرغم منا يؤثر فينا يمينا و شمالا و فوق ذلك نتجاوز عن تجاوزاته، فكيف لا يمكن القيام بالمثل تجاه الغريب المنفصل عنا خاصة و أنه بالإمكان الحد من تأثيراته السلبية علينا. فالعلاقة مع الغير إذن يجب أن تكون علاقة تفهم و تفاهم و تقبل و تعايش لا علاقة صد و صراع و اصطدام.
![]() |
| "الامتناع عن التواصل في حد ذاته نوع من التواصل" |
ج- أطروحة ميرلوبونتي:
و هو ينطلق من انتقاده لأطروحة سارتر حول العلاقة مع الغير، إذ أنه يرفض اعتبار الغير شيئا مثل سائر الأشياء أو حشرة تحت المجهر قيد الدرس. فمثل هذا الصنيع لا يكون إلا متى تقوقع الأنا حول ذاته كأنا مفكر اي ككوجيتو يعيش عزلة وجودية و اعتبر الغير فأر تجربة يدرس كما تدرس الأشياء عوضا عن أن يتفهمه و يفهمه و يتقبله و يقبله. و البديل الذي يقترحه ميرلوبونتي هو ضرورة فتح حوار مع الغير و ربط علاقة اتصال و تواصل بينهما عن طريق كسر جدار الصمت. و لذا اعتبر ميرلوبونتي أن اللاتواصل ذاته تواصل أي أن الذي يجلس أمامي صامتا متوطدا في صمته قد يعبر لي من خلال ذلك عن عدم رغبته في الحوار معي أما حينما ينطق بكلمة واحدة فإنه يخرج من عزلته الوجودية و ينزل من عليائه ليهبط إلى عالمي " فلا يعلو كل وجود معين على الآخرين بصورة نهائية إلا حين يبقى عاطلا, ويتوطد في اختلافه الطبيعي " أي حينما يبقى صامتا. بهذا المعنى فإن العلاقة مع الغير تتأسس على التواصل و الحوار.



