الشخصية
أولا من الدلالات إلى الإشكالية:
1) الدلالة العامية المتداولة:
تنقسم الشخصية عند
العامة إلى قسمين:
أولهما المظهر
الخارجي و يتمثل في المال و
الجمال و العلم و الانتماء
العرقي السلالي... و ثانيهما القدرة على فرض وجود الذات بالتأثير في المحيط
الاجتماعي...
وبهذا
المعنى فالشخصية قد
تحضر وتغيب، كما أنها قد تزيد وتنقص.
لكن
هل صحيح أن هناك من له شخصية وهناك من لا شخصية له فيما
بيننا ؟ ثم هل صحيح كذلك أن الشخصية قد تزيد وتنقص؟
2) الدلالة اللغوية:
في اللغة العربية :
اشتقاقا : تشتق
كلمة شخصية من فعل شَخَصَ وشَخَّصَ: وشَخَصَ
الشيء إدا برز و اتّضح و ظهر
و بان، وشَخَّصَ الشيء
إدا جسّمه وجسّده و مثله ...
اصطلاحا: الشخصية في
الاصطلاح العربي هي مجموعة من السمات والخصائص والصفات الفكرية و السلوكية و الوجدانية التي تخص
فردا بعينه وتميزه عن غيره : فشخصيتك هي
ما يخصك و يميزك عن غيرك.
في اللغات الغربية:
اشتقاقا: تشتق كلمة (Personnalité)الفرنسية
من الكلمة اللاتينية(Persona) و التي
لها معنيان :
عند اليونان: معناها
القناع (le masque)الذي يرتديه
الممثل فوق الخشبة. و بهذا تكون شخصيتنا
مجرد قناع نظهره للغير
في الوقت الذي نخفي فيه حقيقة أنفسنا عن هذا الغير.
عند الرومان: معناها
الدور(le rôle)
الذي يلعبه الممثل فوق الخشبة. و هنا تصبح الشخصية
وظيفة نؤديها.
اصطلاحا: يتبين مما سبق كما لو أن الحياة عبارة عن خشبة مسرح و الناس عبارة عن
ممثلين و شخصياتهم عبارة عن أقنعة و أدوار.
3) الدلالة السيكولوجية (النفسية):
حينما نقف على ماهية
الشخصية من الناحية السيكولوجية فالهدف عندنا هو أن نعرف موقف أهل الاختصاص وهم
علماء النفس . ولكن تعريف
الشخصية في علم النفس ليس بالأمر الهين أو الجاهز، فهذا عالم
النفس الأمريكي كوردن ألبورت Gordon Allportأحصى ما بين سنتي
1937-1949 أزيد من 50 تعريفا للشخصية في
علم النفس. ونحن سنحاول أدناه أن نقارب مفهوم الشخصية من الناحية السيكولوجية
عند عالمين فقط و هما كما يلي :
أ-
فيلو Filloux: و هو يرى بأن
«الشخصية واحدة وخاصة بفرد رغم ما يشترك
فيه من سمات مع الآخرين , وهي ليست
مجرد مجموعة من الوظائف وإنما هي تنظيم وسعي لإدماج تلك الوظائف كما أنها محددة
زمنيا لارتباطها بفرد له تاريخ ، كما أنها
أسلوب في العيش يتجلى عبر وبواسطة سيرة الفرد».
نفهم من قولة فيلو هاته بأن الشخصية واحدة وخاصة بفرد ما وأننا من خلال الشخصية نشترك مع الغير في بعض السمات والصفات ونختلف عنهم في البعض الآخر منها. ويضيف أيضا بأن الشخصية تنظيم للوظائف وأنها محددة في الزمان إذ لها بداية ونهاية نظرا لارتباطها بفرد له تاريخ، وأنها طريقة أو نمط يعتمده المرء في العيش.
ب-
كوردن
ألبورت Gordon Allport: و هو يرى بأن
الشخصية هي « التنظيم
الدينامي للأنظمة السيكوفيزيولوجية التي تحدد
تكيف الفرد بشكل أصيل مع محيطه». و بهذا تكون الشخصية
عبارة عن تنظيم ديناميكي للأنظمة و للوظائف البيولوجية و
السيكوفيزيولوجية التي تضمن للفرد توافقه و انسجامه السوي مع محيطيه الطبيعي و الاجتماعي.
4) الدلالة الفلسفية:
هنا مرة أخرى يمكن
القول بأن مفهوم الشخصية يعرف عدة تعريفات تتقارب فيما بينها حينا، وتتباعد حينا
آخر. وسنحاول أدناه أن نقتـرب من
ماهية الشخصية من الناحية الفلسفية
بالوقوف على تعريفين فلسفيين فقط : أولهما
لكانط Kant
وثانيهما لهيكل Hegel .
أ-
مع كانط Kant:
«إن الشخص هو الذات التي يمكن أن تنسب إليها
مسؤولية أفعالها ، والشخصية الأخلاقية
ليست شيئا آخر غير حرية كائن عاقل في حدود ما تسمح به القوانين الأخلاقية , في
حين أن الشخصية من الوجهة السيكولوجية ليست إلا قدرة شخص على الوعي بما هو تابث
في وجوده خلف الحالات المختلفة لهذا الوجود».
و
كانط من خلال هده القولة يميز بين الشخص من جهة و الشخصية من جهة أخرى . فأما الشخص فهو
الذات المسؤولة عن أفعالها أي الجانب المادي في
الكائن الإنساني المسؤول قانونيا عن كافة سلوكاته القولية و الفعلية . و أما الشخصية
في تصورها الأخلاقي فترتبط عند كانط بالحرية و العقل والمسؤولية .
وأما من الناحية السيكولوجية فتتمثل الشخصية في القدرة على الوعي في الوجود بالتا
بث وراء المتحول.
ب-
مع هيكل Hegel:
«الشخصية لا تبدأ إلا
حين تعي الذات نفسها لا كمجرد أنا محسوسة ومحددة كيفما اتفق وإنما باعتبارها أنا
مجردة تجريدا خالصا».
و
الشخصية حسب هدا التصور الهيجلي لا تبدأ بالظهور إلا في سن
الرشد والقدرة على التمييز أي سن التعقل . و بهذا تكون الشخصية عند هيكل مشروطة بالوعي والعقل كما أنها مرتبطة بالأنا لا ككيان مشخص بل ككيان مجرد أي بما
هو غير قابل للإدراك الحسي فينا
, أي بالجانب المعنوي في الإنسان .
5)
مفارقات
وتساؤلات إشكالية:
يعتبر مفهوم الشخصية
مفهوما جد شائك على اعتبار أن له دلالات عدة ومتباينة بتعدد وتباين وجهات النظر إليها بين ما
هو عامي و ما هو علمي أو ما
هو فلسفي وما هو سيكولوجي أو
سوسيوثقافي… وأهم التساؤلات الإشكالية التي يثيرها مفهوم الشخصية يمكن حصرها فيما
يلي : شخصيتنا أهي فطرية أم مكتسبة؟ أهي واحدة أم
متعددة ؟ أهي ثابتة أم
متغيرة ؟ ثم ما علاقتها بالأنا من جهة وبالغير من جهة ثانية؟ أهي من صنع الأنا أم من صنع النحن ؟
شخصيتنا أهي
ملك يميننا أم هي ملك غيرنا؟ أنحن مخيرون فيها
أم مسيرون بها؟ أنحن أسياد عليها أم عبيد لها ؟
ثم
كيف و مماذا و متى تنبني شخصيتنا؟
وما علاقتها بالآنات الثلاث للزمن : الماضي
والحاضر والمستقبل؟ وما المراد بالصحة و الاتزان النفسي؟ ثم ما المراد بالاختلال
أو المرض النفسي؟ وكيف يمكن اتقاء هدا الخلل
النفسي؟ الخ. تلك وغيرها
هي
إشكالية هذا الدرس.
ثانيا الشخصية وأنظمة بنائها :
تحت هذا العنوان نريد
مقاربة التساؤلات الآتية: ماهي الشخصية؟ وما هي أنظمة بنائها ؟ أو
بتعبير آخر متى وكيف ومماذا تنبني شخصيتنا؟
للجواب على هذه
التساؤلات سنعرض أدناه لثلاث أطروحات
:
أولاها الأطروحة الفلسفية (ونمثل لها بروني ديكارت)
وثانيتها الأطروحة السيكولوجية (ونمثل لها بسيكموند
فرويد) وثالثتها الأطروحة السوسيوثقافية (ونمثل لها برالف
لينتون) , فما هو تفصيل دلك ؟
1-
الأطروحة
الفلسفية : نموذج
ديكارت Descartes (1596 –
1650).
حاول ديكارت الجواب على سؤال جوهري وهو: من أكون؟ أو على حد تعبيره: أي شيء أنا؟ ليلاحظ بأنه إنسان ، ولكن من يكون الإنسان ذاته؟ أنعتبره حيوانا ناطقا؟ ديكارت لم يقبل بهذا الحل لأن به سينزلق من البحث في مسألة واحدة (و هي : ما الإنسان؟) إلى البحث في مسألتين معقدتين ( و هما : ما الحيوان؟ وما الناطق؟) وفي هذا مضيعة لوقت ثمين . و هكذا يبقى السؤال المطروح هو ما الإنسان؟
للجواب على هذا السؤال
عكف ديكارت على ذاته يتأملها إذ هو يفضل
معرفة نفسه بنفسه. وحين تأمله لوجوده وكيانه لاحظ بأنه عبارة عن جسم ونفس .
هكذا
إذن يكون الإنسان كائنا مزدوج المكونات أو ثنائي الأبعاد (الجسم والنفس). ولكن ما هو الجسم؟ وما هي
النفس؟ وفيما يلتقيان؟ وبماذا يتميزان عن بعضهما؟ فأما
الجسم فهو جهاز مركب من عدة أعضاء وله شكل وحدود، وهو ذو طبيعة مادية و يشغل حيزا من المكان ومن ثم فهو
قابل للإدراك الحسي . وأما النفس فهي على
العكس من ذلك كيان بسيط لا شكل ولا حدود لها
،
كما أنها ذات طبيعة روحية ومن ثم فهي غير قابلة
للإدراك الحسي . ولما لاحظ ديكارت بأن هنالك خصائص للإنسان
كقدرته على الحركة والتغذي والإحساس والتفكير بحث عن مصدر هده الخصائص ليتبين له أن
لا الجسم وحده قادر ولا النفس وحدها قادرة على المشي
والتغذي والإحساس إذ أن هذه الخصائص من الصفات المشتركة بين الجسم والنفس معا . ولاحظ ديكارت في
الوقت ذاته أن النفس تنفرد عن الجسم بالتفكير(الكوجيطو: أنا أفكر إذن أنا موجود). وهكذا يكون التفكير -
حسب ديكارت- أميز ما يميز النفس عن الجسم بل و أميز ما يميز الإنسان عن الحيوان إذ هو أساس وجوده و ليس فقط تفرده.
نستنتج
مما سبق بأن الإنسان أو الأنا-
حسب ديكارت - عبارة عن جسم ونفس وهما كيانان مختلفان من حيث طبيعة و وظيفة كل منهما ولكنهما ضروريان للإنسان، فالإنسان
إذن جسم أي ذات ونفس أي تفكير وبهذا يكون الإنسان ذاتا مفكرة. ولكن
حينما نقول بأن الإنسان ذات مفكرة نقول في الوقت ذاته بأنه ذات واعية على اعتبار أن
التفكير وعي وهدا
يعني ربط الأنا بالوعي والعقل والشعور، ولكن هل الأنا مجرد وعي وعقل وشعور؟
2-
الأطروحة
السيكولوجية: نموذج سيكموند فرويد Freud (1856 – 1936).
و تجدر الإشارة هنا-
بادئ ذي بدء- إلى جرأة سيكموند فرويد والإشادة
بسبقه الفكري . فقد جاء بمجموعة من الأفكار
و التصورات النظرية الجديدة و الجريئة في الوقت ذاته و التي نذكر منها على سبيل التمثيل دون هم الاستنفاد ما يلي :
·
اكتشافه
لمنطقة عميقة في النفس الإنسانية سماها باللاشعور على اعتبار أننا لا نشعر بها و لا نعقلها إذ تستعصي على الوعي بها , أضف
إلى دلك اعتباره إياها كأهم محرك للسلوك الإنساني القولي و الفعلي. فهي خزان لغرائزنا و رغباتنا و آلامنا و آمالنا
و مصدر أحلامنا...هي إذن أساس شخصيتنا .
·
اعتباره
أن
« الطفل أبو الرجل
»
بمعنى أن أصل كل رجل طفل بل و مهما طال بهذا
الرجل العمر يبقى الطفل فيه جزءا لا يتجزأ منه . و بهذا تكون مرحلة الطفولة
أهم و أخطر مرحلة عمرية على الإطلاق .
·
تركيزه
على الجنس كأهم عامل مسيطر على حياتنا النفسية الباطنية بل و اعتبار حضوره
فينا غريزيا / فطريا مند الولادة و حتى الموت و دلك في شكل بحث دائم عن التلذذ و الإشباع الجنسي عبر مناطق حساسة في الجسم و دلك خلال
مراحل معينة أثناء الطفولة. فالطفولة لم تعد عنوان البراءة إذ أن الطفل يمارس
الجنس مع أمه و مند ولادته من خلال عملية الرضاعة (و علينا أن
نميز هنا بين الجنس و التناسل).
النص رقم: 2, ص: 139 ,عنوانه: مراحل النمو النفسي الجنسي عند فرويد, صاحبه: محمد سيد
غنيم.
إذا كانت مرحلة الطفولة أخطر وأهم مرحلة عمرية
يعيشها الإنسان إذ تلازمه تبعاتها طيلة حياته , فكيف
يعيشها إذن؟ ثم ما هي
مراحل النمو النفسي الجنسي المؤثتة للطفولة ذاتها؟
ما أن يولد الطفل حتى يشرع في إشباع رغباته
(غرائزه) الجنسية وهذا يتم عبر مراحل كما يلي:
1)
المرحلة
الفمية (Stade Buccal) :
- وتمتد
من
الولادة إلى حدود السنة الثانية من العمر. وتتميز
بالسعي إلى الإشباع والتلذذ الجنسي عن طريق الفم، وهي تنقسم إلى مرحلتين فرعيتين:
المرحلة السلبية:
وتتميز بالمص (خلال الست أو السبع
أشهر الأولى من العمر).
المرحلة الإيجابية:
وتتميز بالعض (وهي تبتدئ بأزمة التسنين
أي تكون الأسنان اللبنية).
- وتنتهي بالفطام
(Sevrage) وهو أول صدمة وأزمة
نفسية يتلقاها الرضيع من أسرته (الأم أو من يقوم
مقامها)
وتتميز هذه المرحلة باللذة أثناء المص وبالألم أثناء الفطام.
2)
المرحلة
الشرجية (Stade Anal) :
-
وتمتد
من حوالي سنتين إلى حوالي ثلاث سنوات ونصف
. وتتميز بسعي الطفل إلى الإشباع والتلذذ الجنسي عن طريق إخراج الفضلات (عبر
الشرج) و كدا حب العراء.
-
وتنتهي هده المرحلة
بتعلم النظافة عن طريق العقاب البدني.
3)
المرحلة
القضيبية (Stade Phallique) :
-
تبتدئ في حوالي ثلاث
سنوات ونصف من العمر وتنتهي في حوالي سن الخامسة. وتتميز بالتلذذ عن طريق ملامسة
الأعضاء التناسلية ومداعبتها والعبث بها.
-
وتنتهي بالختان (Circoncision) وهو ثاني أزمة أو صدمة
نفسية يتلقاها الطفل من أسرته (الأب أو من يقوم مقامه). والختان يعاش من طرف الطفل
كتهديد بالخصاء الشيء الذي يولد لديه رهاب / خواف الخصاء (Phobie de Castration) .
4)
المرحلة
الأوديبية (Stade Œdipien) :
-
تبتدئ من الخامسة إلى حوالي السادسة
أو السابعة من العمر. وتتميز بشعور
الطفل بتناقض وجداني عاطفي صارخ و لا يطاق
تجاه أقرب الناس إليه : الأب و الأم.
-
تجاه الأم: إذ أن الطفل يحب أمه إلى درجة
الرغبة في الزواج منها – و في الوقت ذاته يكره أمه لأنها من الجنس الآخر.
-
تجاه الأب: إذ أن الطفل يكره أباه لمنافسته على الأم لدرجة الرغبة في قتله – و في
الوقت ذاته يحب أباه لأنه من نفس جنسه.
ßعقدة: أوديب
بالنسب للذكر(Complexe d'œdipe) عقدة الكترا بالنسبة للأنثى (Complexe d'Électre).
ßالحل:
التقمص المثلي
أو ما يسمى بالتماهي
(Identification).
5)
مرحلة(فترة) الكمون (Période
de Latence) :
- تبتدئ في حوالي سن السابعة من العمر و تستمر إلى
البلوغ في حوالي سن الثانية عشرة. و تتميز
بالهدوء والسكينة و الطمأنينة
على المستوى النفسي (السيكولوجي) بحيث أن مجموع الرغبات والهواجس والغرائز
الجنسية التي كان يعرفها الطفل فيما مضى قد همدت وسكنت لتترك
المجال لتعلم أشياء أخرى مفيدة لمستقبله. وترتبط
هذه المرحلة بظاهرتين أو حدثين : أولهما حدث بيوفيزيولوجي و يتمثل
في سقوط الأسنان اللبنية , و ثانيهما حدث سوسيوثقافي و
يتمثل في الدخول
إلى المدرسة. و هما حدثان يرمزان إلى بداية النضج الجسمي على المستوى
البيولوجي و التمييز العقلي على المستوى السيكولوجي و تنويع العلاقات الاجتماعية
على المستوى السوسيولوجي .
و
مما
سبق نستخلص بأن أهم مرحلة عمرية على المستوى النفسي على الإطلاق هي مرحلة الطفولة
المبكرة والتي بدورها تنقسم إلى مراحل فرعية وهي: الفمية والشرجية والقضيبية و
الأوديبية والكمون. والتي تستمر من الولادة إلى حوالي السنة السابعة من العمر
وخلالها تتكون ثلاثة أرباع
شخصيتنا %75 والتي ستبقى حاضرة معنا وملازمة لنا
و مؤثرة فينا طيلة حياتنا
.
وبهذا المعنى نفهم قولة فرويد المدوية «الطفل
أبو الرجل» ولكن مماذا تتكون شخصيتنا ذاتها؟
ومتى تكون سليمة أو تتعرض للاختلال؟
النص رقم: 3 من نصوص
الاستثمار, ص:141, عنوانه: بنية الأنا, صاحبه: سيجموند
فرويد.
إذا كان ديكارت يرى بأن شخصيتنا محكومة بالشعور
والوعي والعقل ففرويد يرى بأنها محكومة باللا شعور كما
أنه إذا كان ديكارت يذهب إلى أن النفس كيان بسيط ففرويد يرى بأنها عبارة عن جهاز
مركب، وهذا الجهاز ثلاثي المكونات (الهو – الأنا – الأنا الأعلى). فما مضمون كل
مكون من هذه المكونات الثلاث ؟ ومتى
تتكون؟ وكيف يتم ذلك؟ وما العلاقات القائمة بينهما؟ ومتى تكون الشخصية متزنة أو
مختلة؟...
1)
الهو(le ça):
و
مضمون الهو لا شعوري
كله أي
أننا لا نشعر به ولا نعيه . و هو يتكون
من ثلاثة أنواع
من المكونات
: فهو
من جهة أولى يتكون
من الغرائز الجنسية الحيوانية الفطرية الموروثة (مثل غريزة
الأمومة و حب البقاء و الغريزة العدوانية و الجنسية ...) , و يتكون
من جهة ثانية من الرغبات الجنسية
المكبوتة أثناء مراحل
النمو النفسي- الجنسي السابقة (مثل التلذذ عن طريق الفم أو الشرج ...). و
يتكون من جهة ثالثة من الذكريات النفسية
المؤلمة المنسية مثل (الفطام و الختان...) .
فالهو إذن يضم ما هو فطري وما هو مكتسب من خلال عملية التربية
والتنشئة الاجتماعية , أضف إلى هدا أن مضمون الهو لا يعرف النظام ولا التجانس ولا
الانسجام و لا أي شيء عن الواقع , بل هو مضمون مشتت
مبعثر لا علاقة له بالعقل أو المنطق أو
الترتيب والتنظيم و وظيفته تتمثل في تحقيق اللذة ودفع
الألم , إذ هو محكوم
بمبدأ اللذة
(Principe du plaisir) ولهذا يعتبر الهو الجانب الحيواني
في الإنسان (le côté
animal chez l'homme) .
2)
الأنا(le moi):
وجله
شعوري وهو يتكون مما هو سائد في المجتمع من قوانين و أعراف
و عادات
و تقاليد إضافة
إلى متطلبات
الواقع (الزمان – المكان) , و الإكراهات
المادية والمعنوية , و كل ما له علاقة بالواقع
و يضمن تكيفا سليما للأنا مع محيطه الطبيعي و الاجتماعي
. و بهذا
فالأنا محكوم بمبدأ الواقع (Principe de réalité) . والأنا هو الجهاز الإداري للشخصية بمعنى
أنه هو المسؤول الأول والأخير عن سلوكاتنا القولية والفعلية. فهو مطالب بمراعاة و خدمة ثلاثة أسياد و هم : الهو و الأنا الأعلى و
الواقع المعيش . و من هنا فدوره يتمثل في
ثلاثة أفعال و هي : تلبية بعض رغبات الهو و هي تلك التي يسمح بها الأنا الأعلى و
ظروف الواقع معا , ثم تأجيل بعضها الآخر و التي لم تتوفر بعد الظروف
المادية أو الاجتماعية الملائمة لإرضائها , و أخيرا رفض إشباع الرغبات التي لا
يسمح الواقع أو الأنا الأعلى بإشباعها .
3)
الأنا
الأعلى(le sur-moi) :
جله
لا شعوري وهو يتكون من مكارم الأخلاق والقيم العليا والمثل والفضائل والمقدسات
الدينية والروحية… وبهذا فهو بمثابة الضمير
الأخلاقي إذ هو محكوم بمبدأ مثال
الأنا أو الأنا المثال (Principe de
l'idéal du moi ou du moi idéal) ووظيفته تتمثل من جهة
في مراقبة الأنا وتصرفاته القولية والفعلية ومن جهة ثانية محاسبته عما يكون قد اقترفه من قول أو فعل و من جهة ثالثة معاقبته حينما
يتواطأ مع الهو فيلبي إحدى أو بعض رغباته دون مراعاة لظروف الواقع و متطلبات الأنا الأعلى . فالأنا الأعلى قوة رادعة للأنا مثلما أن الأنا
قوة رادعة للهو.
هكذا إذن يمكن القول بأن شخصيتنا ليست كيانا بسيطا (كما ادعى ديكارت) بل هي جهاز
مركب من مكونات ثلاث متناقضة من حيث بنيتها و مصالحها ووظائفها و من تم فهي
متصارعة فيما بينها. و لكن متى نضمن لشخصيتنا
أن تكون متزنة
ومتى تفقد توازنها؟
جوابا على هدا السؤال يمكن القول بأن شخصيتنا تكون متزنة متى كان الأنا قويا
واستطاع التحكم في رغبات الهو ومتطلبات الأنا الأعلى بحيث يوفق بينهما
دون إفراط ولا تفريط فيلبي بعض رغبات الهو مع احترام متطلبات الأنا الأعلى و ظروف الواقع . كما قد تصاب الشخصية بالاختلال النفسي متى كان
الأنا ضعيفا وهنا تحضر إحدى الحالتين الاثنتين
المتبقيتين و هما : إما سيطرة الأنا الأعلى و
هنا تتصف
الشخصية بالتزمت والتحجر والتشدد و المبالغة في التمسك بالمثل العليا بعيدة المنال . وإما سيطرة
الهو وهنا تتصف الشخصية بالتهور والانفعال والشهوانية الحيوانية و إتباع الملذات
دون حسيب أو رقيب ودون مراعاة لعواقب الأمور. ففي الحالة
الأولى (سيطرة الأنا الأعلى) هناك مبالغة وإفراط وفي الحالة الثانية (سيطرة الهو)
هناك تقصير وتفريط وفي الحالتين معا هناك اختلال نفسي واضح إذ الاتزان في الاعتدال و الإنصاف لا إفراط و لا تفريط
و لا مبالغة و لا تقصير .
3- الأطروحة السوسيوثقافية : نمودج رالف لينتون Ralph Linton.
النص رقم:4 ,ص:131 ,عنوانه : الشخصية
الأساسية والشخصية الوظيفية ودور الثقافة في بنائهما صاحبه رالف لينتون.
حاول رالف لينتون من خلال هدا النص الإجابة عن
عدة
تساؤلات نذكر منها على سبيل المثال ما يلي : هل تختلف
أنماط الشخصية من مجتمع إلى آخر, أم
أنها واحدة في سائر المجتمعات؟ ثم داخل المجتمع
الواحد هل هناك نمط واحد من الشخصية أم أنماط
متعددة؟ و ما المراد بالشخصية الأساسية والشخصية الوظيفية؟
ثم ما العلاقة بينهما؟ وأخيرا ما دور الثقافة والمجتمع في بنائهما؟…
للإجابة على الأسئلة
المطروحة أعلاه يقر صاحب النص مند البدء بأن الشخصية تختلف من مجتمع إلى آخر باختلاف ثقافة هذا
المجتمع عن ثقافة المجتمع الآخر (و هنا نلاحظ ارتباط الشخصية
بالثقافة).أما داخل المجتمع الواحد فهناك نمطان من الشخصية و هما
: الشخصية الأساسية (Personnalité
de base) و الشخصيات الوظيفية (Personnalité
fonctionnelle) . فأما الشخصية
الأساسية فهي مجموع الصفات والخصائص والسمات السلوكية
والفكرية والوجدانية التي توحد مجموع أفراد
المجتمع الواحد وتميزهم عن غيرهم ممن ينتمون لمجتمع آخر,
فالشخصية
الأساسية بهذا المعنى هي القاسم المشترك بين
أفراد المجتمع الواحد . وهي ليست
موروثة أو فطرية بل هي مكتسبة خلال مراحل الطفولة عبر التربية والتعليم
والتنشئة الاجتماعية و الإعلام. و أما الشخصيات
الوظيفية فهي مجموع
الصفات والخصائص والسمات السلوكية والفكرية
والوجدانية التي توحد مجموعة من الأفراد
يؤدون وظيفة معينة وتميزهم عن غيرهم ممن يؤدون وظائف أخرى رغم انتمائهم جميعهم إلى
نفس المجتمع و امتلاكهم جميعهم لنفس الشخصية الأساسية .
نستنتج مما سبق مع رالف لينتون
بأن للواحد منا نمطين من الشخصية :
شخصية أساسية يلتقي فيها مع سائر أفراد مجتمعه، وشخصيات وظيفية يلتقي فيها مع بعض
أفراد مجتمعه وهم الذين يؤدون نفس الوظائف التي يؤديها
.
ولكننا قد نعثر في المجتمع الواحد على توأمين حقيقيين عاشا نفس الظروف وتلقيا نفس
التربية والتعليم ومورست عليهما نفس التنشئة الاجتماعية وشغلا نفس المناصب وأديا
نفس الوظائف ولكنهما مع ذلك يختلفان من حيث شخصية كل منهما. فإلى أي سبب نعزي هده الاختلافات ؟
جوابا على هذا السؤال
يرى كلوكون وميراي بأن الواحد منا له نماطان من الشخصية إلا أنهما ليسا كما حددهما لينتون , و هذان
النمطان هما :
الشخصية العامة و هي الوجه الذي يظهر به الواحد منا أمام الغير ,أو هي ما نعرفه عن بعضنا البعض ,
أي مجموع السمات و الخصائص و الصفات السلوكية و الفكرية و الوجدانية التي ترسم
صورتنا لدى الغير. ثم
الشخصية الخاصة
أو الفردية وهي مجموع السمات
والخصائص والصفات (الفردية الخاصة) الفكرية والسلوكية والوجدانية التي ينفرد بها
كل فرد وتميزه عن غيره وإن كان هذا
الغير يعيش نفس ظروفه في نفس
مجتمعه ويؤدي نفس وظائفه... فالشخصية
الخاصة إذن هي ما يميز الواحد منا عن الغير أيا كان هذا الغير, فهي إذن الوجه الخفي عن الغير, هي ما يخصنا و نحتفظ به لدواتنا بعيدا عن
فضول الآخر...
إذا تأملنا المواقف
السابقة نجدها تركز على أن الشخصية في جانب مهم منها تكتسب من خلال التربية
والتعليم والتنشئة الاجتماعية، فأساسها هو
ثقافة المجتمع (اللغة، الدين، الأعراف، الأخلاق...). ولكن هل
معنى هذا أن شخصيتنا من صنع الغير؟ هل لنا من دخل في بناء وصنع
شخصيتنا أم لا حول لنا ولا قوة على ذلك؟
ثالثا الشخص ودوره في بناء شخصيته :
تحت هذا العنوان نود
الوقوف على الأجوبة التي يمكن أن تعطي لبعض الأسئلة المرتبطة بالشخصية في علاقتها
بالأنا من جهة وبالغير من جهة ثانية : إذا كانت
ثقافة المجتمع أساس بناء شخصيتنا بحيث تبنين و تؤسس
كلا من الشخصية الأساسية والوظيفية على السواء فهل معنى
هذا أن لا دخل لنا في بناء شخصيتنا؟ هل الأنا من صنع الأنا ذاته أم من صنع
النحن؟ شخصيتنا أهي ملك لنا أم هي ملك للغير (المجتمع)؟ هل نحن مخيرون أم مسيرون
تجاه شخصياتنا؟ هل الأنا سيد على نفسه أم عبد لها؟ هل بإمكان الأنا أن يغير من
شخصيته وقت ما شاء وكيفما شاء ذات اليمين أو ذات الشمال وفق هواه
أم أنه لا حول له
ولا قوة على ذلك؟هل الأنا مخير أم مسير؟ ...
جوابا على هذه الأسئلة و غيرها نجد أنفسنا - على الأقل - أمام أطروحتين فلسفيتين
:
إحداهما تقول بالتسيير ويتزعمها إبيكتيت وثانيهما
تقول بالتخيير ويتزعمها جان بول سارتر.
1) أطروحة التسيير : نموذج ابيكتيت
يذهب أصحاب هذه
الأطروحة إلى أن الإنسان بصفة عامة كائن ضعيف، وهو ضعيف ليس فقط أمام هول الطبيعة
و كائناتها الرهيبة و مصيره المجهول بل هو ضعيف أمام نفسه
ذاتها: إذ هو لا يملك زمام أمره وبالأحرى أن يملك زمام أمر غيره .
فالواحد منا ليس ملك
يمينه و بالتالي شخصيته ليست من صنعه بل هي من صنع الغير.
وفي هذا يقول إبيكتيت في كتابه (Manuel) مخاطبا الإنسان « تذكر هذا
الأمر: بأنك تقوم بأداء دور في مسرحية اختاره لك المخرج
.
دور قد يطول أو يقصر بحسب إرادته طويلا أو قصيرا، فلو ارتأى أن تؤدي دور متسول
لوجب عليك أن تؤديه بإتقان، ونفس الأمر لو أراد أن تؤدي دور كائن أعرج أو رجل سياسة
أو مجرد إنسان عادي.
إن مهمتك أنت :
أن تؤدي الدور الذي كلفت به ، أما
اختيار هذا الدور فإنه عمل غيرك ». والمراد
بهذا أن الواحد منا مجرد منفذ لدور اختاره له المخرج
. و لكن من يكون هدا المخرج ؟
المخرج هنا قد يكون هو
الله حسب التصور
الثيولوحي , و قد يكون هو الطبيعة حسب التصور البيولوجي , و قد يكون هو اللاشعور حسب التصور
السيكولوجي ,
وقد يكون هو المجتمع حسب التصور السوسيوثقافي ... وفي كل
هده الحالات تكون شخصيتنا ودورنا في الحياة من صنع الغير وليس من صنع
الأنا ولا حتى من اختياره .
2) أطروحة التخيير : نموذج جان بول سارتر
النص رقم: 6 ,ص :135, عنوانه :الإنسان
مشروع لا يوجد في سماء المعقولات مشروع قبله
, صاحبه : جان بول
سارتر.
يسعى جان بول
سارتر من خلال هدا النص إلى الإجابة عن عدة
تساؤلات نذكر منها على سبيل التمثيل ما يلي : أيهما
أسبق من الآخر الماهية
أم الوجود ؟ ثم
ما
دليلنا على ذلك؟ من هو الكائن الذي يوجد أسبق من ماهيته؟ ثم متى يكتسب الإنسان
كينونته؟ وماذا يعني سارتر بالوجود؟ ثم ماذا نفهم من نعت الناس للفلاسفة الوجوديين
بالذاتية؟ وهل يكون الإنسان حرا مستقلا في أفعاله وتصرفاته
أم أنه خاضع للحتمية و الضرورة
؟
ثم هل بالفعل أن الإنسان منذ البدء يصبح مسؤولا عن
نفسه وغيره أم أنه ليس مسؤولا حتى عن نفسه ناهيك أن يكون كذلك
بالنسبة لغيره ؟.
جوابا على هذه الأسئلة و غيرها يتبنى سارتر الأطروحة
القائلة بأسبقية الوجود على الماهية , على اعتبار أن
الإنسان في البدء يوجد خاوي الوفاض , عبارة عن لاشيء . فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يسبق الوجود لديه ماهيته . لأنه يكتسب
ذاته وهويته و ماهيته في المستقبل
أي بعد الوجود و من خلال فعل الوجود و الكينونة (البراكسيس Praxis ). فالإنسان حسب سارتر ليس هو ما كان عليه حاله في طفولته في الماضي كما ادعى دلك
فرويد , ولا هو ما هو كائن عليه حاله في
واقعه الحالي في الحاضر كما ادعى دلك لينتون , بل هو ما سيكون في المستقبل إذ أن
الإنسان مشروع أي أن الإنسان هو ما سيصنع بنفسه في المستقبل .
فالإنسان حسب التصور الوجودي يجد نفسه مند الولادة و حتى الموت أمام عدة خيارات . إذ أن الحياة اختيار , و الاختيارات على العموم صنفان : اختيار ثانوي (كاختيار قميص أو قلم عوض آخر) , و اختيار مصيري (كاختيار الزوج أو الانتماء الديني أو السياسي) . و الاختيار مغامرة و مقامرة و مخاطرة مجهولة العواقب. و حسن الاختيار يتطلب أن يتمتع المرء بالحرية اللاصنمية و بالإرادة القوية و بالقدرات العقلية و بالتالي أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية و القانونية كاملة عن تبعات اختياراته . و من هنا كانت الحرية المسؤولة اللاصنمية عنوان الأطروحة الوجودية , و من هنا نفهم قولة سارتر الواردة في كتابه " الوجود و العدم " . و بهذا يكون الإنسان صانعا نفسه بنفسه , و في هذا يضيف سارتر قائلا : "إن البطل هو من صنع من نفسه بطلا، و الجبان هو من صنع من نفسه جبانا، و هناك دائما إمكانية أن يتحول البطل إلى جبان و الجبان إلى بطل
إعداد : ذ. سعيد حارث