الحقيقة
![]() |
| ميلاد الحقيقة يتأسس على اكتشاف الخطإ و تجاوزه |
انتهينا في درس سابق إلى أن مختلف العلوم –نتيجة لتطورها المتلاحق- تعرف أزمات وصراعات وذلك عند ظهور مستجدات تناقض المكتسبات السابقة ، الشيء الذي يستوجب وقفة تفكير نقدي في أسس ومبادئ ومفاهيم ومناهج ونتائج العلوم السابقة بهدف إعادة صياغتها وبنينتها كي تستطيع مواكبة المستجدات واستيعابها ضمن تصور أكثر اتساعا وشمولية من ذي قبل . ولتحقيق هذا الانفتاح العلمي وهذا التطور في فهم وتفسير الظواهر الكونية ضمن منظومة علمية موحدة لابد من إحداث قطيعة مع ماضي العلم ، هذا الماضي الذي –بحكم النظرة الصنمية له- ينتصب كعائق ابستيمولوجي في وجه الجديد من كشوفات وفتوحات العلم اللاحقة و المتلاحقة . وبهذا المعنى تصبح الخبرة والمعارف المكتسبة –كما يرى باشلار- لا ينبوع معرفة لا ينفذ بل ينبوع عوائق يستوجب على العالم والابستيمولوجي تخطيها و القطع معها، وفي هذا الصدد نفهم قول باشلار:«تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه». فهل معنى هذا أن العلم في سعيه وراء تجاوز أخطائه يستطيع امتلاك الحقيقة ؟ وقبل هذا ، ماهي الحقيقة ؟ وما هي معاييرها ؟ وما هي قيمتها ؟ أهي ذاتية أم موضوعية ؟ أهي مطلقة أم نسبية ؟…الخ. تلك وغيرها ستكون أهم الأسئلة الموجهة لنا في هذه الورقة .
تعرف الحقيقة(Vérité) منطقيا بكونها«ما لا يقبل النقض ولا يحتاج إلى إثبات جديد» وعن هذا نستخلص خاصيتين للحقيقة من الوجهة المنطقية:
أولهما هي عدم قابليتها للنقض ، ذلك لأن نقضها يوقعنا في التناقض مع مبادئ العقل أو مبادئ المنطق الأربعة وهي :
v مبدأ الهوية : أن الشيء هو نفسه (الشيء هو هو).
v مبدأ عدم التناقض : أن المتناقضين لا يجتمعان معا .
v مبدأ الثالث المرفوع : أن المتناقضين لا يرتفعان معا (مبدأ الثالث المرفوض).
v مبدأ العلة الكافية أو السبب الكافي أو العلية أو السببية : أن ما من معلول إلا ووراءه علة أو لكل نتيجة سبب (لكل شيء سبب و لا مكان للصدفة).
و ثانيهما هي عدم حاجتها إلى إثبات جديد أو إلى دليل غيرها ، فهي حجة ودليل ذاتها. فالحقيقة بهذا المعنى واضحة بذاتها ومسايرة للعقل بل وتفرض نفسها على كل ذي عقل سليم. و بهذا المعنى تكون الحقيقة هي البداهة.
يقول المتنبي: « ليس يثبت في الذهن شيء ### إذا احتاج النهار إلى دليل »
أما فلسفيا فتعرف الحقيقة بكونها «مطابقة الفكر لموضوعه» فإذا افترضنا جدلا معرفتنا بالفكر وتواضعنا على اعتباره كل نشاط عقلاني كلي موضوعي موحد وسليم ، سنكون في حاجة إلى تعريف موضوع الفكر. وهنا نقف على الأقل عند أطروحتين :
فأما الأطروحة الأولى فترى بأن موضوع الفكر هو الفكر ذاته ، وهنا تكون الحقيقة هي مطابقة الفكر لذاته ، أي مطابقة أفكارنا لمبادئ العقل/المنطق المذكورة أعلاه . وهذا هو موقف المناطقة والعقلانيين أمثال: أرسطو وديكارت وليبنتز وسبينوزا وغيرهم.
وأما الأطروحة الثانية فترى بأن موضوع الفكر هو الواقع المادي-الموضوعي-التجريبي- المحسوس و الملموس، وهنا تكون الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع أي مطابقة أفكارنا عن الشيء للشيء ذاته. وهذا هو موقف التجريبيين والوضعيين والواقعيين والماديين، بل وكذا بعض المتكلمين والفلاسفة المسلمين الذين اعتبروا بأن الحقيقة هي:«مطابقة ما بالأذهان للأعيان» أي مطابقة الأفكار التي لدينا عن الأشياء لما هي عليه تلك الأشياء في الواقع المادي التجريبي.
علاوة على ما سبق نسجل بأن لمفهوم الحقيقة علاقة بعدة كلمات، كما أنه يحتمل عدة معاني مثل: معنى الصواب ضد الخطأ، ومعنى الصدق ضد الكذب، ومعنى اليقين ضد الشك، و معنى التباث ضد التغير. بل وتجئ الحقيقة كذلك بمعنى الماهية أو الجوهر ضد العرض أو الحادث، إذ أننا عند تساؤلنا عن حقيقة شيء ما فإننا نتساءل عن ماهيته وجوهره (أي كنهه).
بعد تحديدنا لماهية الحقيقة من الوجهتين المنطقية والفلسفية اللتين تهماننا يحق لنا أن نتساءل عما يكون معيار الحقيقة ؟ بل هل هناك معيار شمولي واحد أم معايير متعددة للحقيقة ؟ وقبل هذا وذاك ما المراد بالمعيار ذاته ؟
المعيار(Critère) معجميا نموذج أو مقياس مادي أو معنوي لما ينبغي أن يكون عليه شيء ما(المعير أو المقيس) . فهو النموذج المثالي الذي نعير أو نقيس به المحسوسات أو المعقولات بهدف إصدار حكم معياري-قيمي عليها حسب مدى مشاركتها فيه أو اقترابها منه (إذ كلما كانت مقتربة منه كان حكمنا عليها إيجابيا وكلما كانت مبتعدة عنه كان حكمنا عليها سلبيا) .
وفي معرض بحثه عن معيار شمولي واحد للحقيقة يعرف لنا إيمانويل كانط المعيار الشمولي هذا بكونه : «ذاك الذي نستطيع تطبيقه على كل المعارف دون تمييز بين موضوعاتها» أي ذاك الذي يمكننا من تقييم معرفة ما وإصدار حكم قيمي عليها دون ربطها بموضوع معين . وقد انتهى كانط في بحثه هذا إلى أن المعيار الشمولي للحقيقة نوعان : أحدهما من جهة مادتها والآخر من جهة صورتها .
فأما المعيار الشمولي للحقيقة من جهة مادتها فيستحيل العثور عليه لأن في ذلك تناقضا صارخا: إذ أن الحقيقة أساسا توافق بين المعرفة والموضوع (أو تطابق أفكارنا مع موضوعها) فكيف يمكننا إذن أن نغض الطرف عن هذا الموضوع ؟ ومثال هذا: أن نحكم على "قابلية الامتداد" بفعل الحرارة كمعرفة بأنها حقيقة دون أن نربطها ب"المعادن" كموضوع لهذه المعرفة.
وأما معيار الحقيقة الشمولي من جهة صورتها فضروري ولكنه ناقص وغير كاف، ومثاله:
هذه معرفة من جهة صورتها بغض النظر عن محتواها حقيقة ، ولكن إذا استبدلنا الصور (أ،ب،ج) بمضامين معينة فقد تصبح خاطئة .
إذا كان أ يؤدي إلى ب
و إذا كان ج يؤدي إلى أ
إذن ج يؤدي إلى ب
بعد أن غيرنا الصور (أ،ب،ج) بمضامين معينة وهي تباعا( العلم، الغنى، التمدرس) هل نقول بأننا أمام معرفة حقيقية ؟
إذا كان العلم يؤدي إلى الغنى
وإذا كان التمدرس يؤدي إلى العلم
إذن التمدرس يؤدي إلى الغنى
إذا تعذر الحصول على معيار شمولي واحد للحقيقة ، أفلا تكون هناك معايير متعددة لها ؟ باختصار شديد نقول : بلى ، هناك معايير متعددة متباينة بتعدد وتباين المذاهب والاتجاهات الفلسفية. وسنحصر أهمها في ثلاثة أساسية : البداهة العقلية ، التجريب المادي ثم المنفعة العملية .
فأما المعيار الأول(البداهة العقلية) فيقول به العقلانيون والمناطقة والمراد به أن فكرة ما تعتبر حقيقة إذا ما كانت بديهية أي بسيطة متميزة وواضحة بذاتها دونما حاجة إلى دليل غيرها، ولكي تكون كذلك وجب عليها احترام ومراعاة مبادئ العقل/المنطق الأربعة السالفة الذكر.
وأما المعيار الثاني (التجريب المادي) فيقول به الفلاسفة التجريبيون أمثال فرنسيس بيكون ودفيد هيوم وجون لوك وكذا الوضعيون الجدد مثل موريس شيلك ورودولف كارناب وهانزرايشنباخ وفتجنشتاين ...وغيرهم . ومفاده أن فكرة ما لا تعتبر حقيقة إلا إذا أكدتها التجربة المادية وكان لها سند في الواقع الموضوعي. فقابلية الامتداد بفعل الحرارة - مثلا- ليست حقيقة لكوننا استنتجناها عن طريق الاستدلال المنطقي-العقلاني بل لكوننا توصلنا إليها عن طريق الاستقراء التجريبي أو لكونها قابلة للتحقيق في أرضية الواقع والتحقق منها تجريبيا.
وأما المعيار الثالث (المنفعة العملية) فيقول به دعاة البراغماتية أمثال : جون ديوي و ويليام جيمس و بيرس…و غيرهم . والمقصود به أن فكرة ما لا تعتبر حقيقة إلا بمقدار ما تحققه لنا من منفعة عملية مادية أو معنوية. فقابلية الحديد للامتداد بفعل الحرارة –مثلا- ليست حقيقة إلا لكونها تمكننا من الانتفاع بالحديد في صنع ما نريد.
فإذا كانت معايير الحقيقة كما رأينا متعددة، فهل يمكن الحديث عن حقيقة واحدة مطلقة أم أن هناك حقائق متعددة ؟ هل الحقيقة في المفرد أم في الجمع ؟ وبالتالي أهي نسبية أم مطلقة ؟
يبدوا أنه من قبيل الكلام المعاد أن نؤكد هنا بأن الحقيقة (العلمية والفلسفية) حقيقة نسبية، أو كما قال كارل بوبر:« كل حقيقة علمية هي حقيقة مؤقتة » وبالتالي فهي مرهونة بمتغيرات الواقع ومستجدات العلم . فما كان حقيقة بالأمس أصبح خطأ اليوم وما هو حقيقة اليوم قد يصبح خطأ غدا، لأن العلم إنما ينمو بتجاوز أخطائه، بل إن الخطأ ذاته لحظة من لحظات الكشف عن الحقيقة. ومن هنا فلا يمكن الحديث عن الحقيقة بالمفرد بل عن الحقائق بالجمع ، كما لا يمكن الحديث عن حقيقة مطلقة إلا في المجال الديني: إذ أن "وحدانية الله"-مثلا- حقيقة قبلية مطلقة: فهي قبلية لكونها جاءت قبل التجربة ومطلقة لأنها لا تتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان , و لكن ذلك بالنسبة للمؤمن بها. أما الحقائق العلمية فهي حقائق بعدية نسبية : فهي بعدية لأنها تجيء بعد التجربة , ونسبية لأنها قابلة للتعديل والتطوير والتغيير وفق متغيرات الذات العارفة وموضوع المعرفة والعلاقة المعرفية الرابطة بينهما .
فعصرنا الحالي عصر انهيار البديهيات وتهاوي المطلقات ، إذ أن النظرية النسبية (Relativité) لاينشتين أثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن كل شيء نسبي (الزمان والمكان والكتلة و الحقيقة…الخ) . فالعالم الحق ليس هو ذاك الذي يدعي امتلاك الحقيقة بل هو ذاك الذي يبحث باستمرار عن الحقيقة و يسعى دوما صوبها (كما لو كانت الحقيقة سرابا) . ومن هنا كان العلم بحثا دائما ومستمرا وليس معرفة مكتملة جاهزة . كما أن الحقيقة ليست معطى جاهزا قابلا للإمساك به ، بل هي شيء خفي متمنع زئبقي ومتعذر باستمرار. ومن هنا نفهم قولة باشلار المدوية:« لا علم إلا بما هو خفي».
إذا كان الأمر كذلك: فهل يمكن القول بأن العقل الإنساني يستطيع استنساخ الواقع كما هو؟ هل يمكن اعتبار أفكارنا نسخة طبق الأصل لواقعنا ؟ هل يمكن القول بأن الفكر مرآة أمينة صادقة تعكس الواقع على حقيقته ؟ ما القيمة الحقيقية لمعرفتنا إذن ؟
إعداد : ذ. سعيد حارث

