أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الحرية و الحتمية
الإرادة و الحرية و الضرورة و الحتمية... أية علاقة؟

المقدمة :

يرى المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بأن "الحرية بوجه عام حال الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو غلبة، و يفعل طبقا لطبيعته و إرادته (...) و الحرية الإنسانية ذات صور شتى أهمها: حرية سيكولوجية و هي القدرة على تحقيق الفعل دون خضوع لمؤثر خارجي، و إنما تصدر الأفعال عن المرء نفسه بحيث يشعر أن الفعل صادر عن إرادته (...) وحرية سياسية و اجتماعية، و هي التي يستطيع فيها الفرد أن يفعل ما يريد في حدود القانون ودون أن يسيء إلى غيره". و عند أبي حيان التوحيدي "الحرية إرادة تتقدمها روية مع تمييز". و بهذا ترتبط الحرية على العموم بالقدرة أو الاستطاعة ثم الإرادة فالمعرفة أي العقل و التمييز مع غياب الموانع أو الحواجز الداخلية و الخارجية غير القانون المنظم للعلاقات مع الغير و ذلك من أجل تحمل المسؤولية عن تبعات سلوكاتنا، إذ لا مسؤولية دون حرية و لا حرية دون عقل. و هذا ما يثير إشكالات عدة سنعرض لها من خلال ثلاثة محاور: أولها الحرية و الحتمية و ثانيها الحرية و الإرادة و ثالثها الحرية و القانون، فما هو تفصيل ذلك؟

1 المحور الأول: الحرية و الحتمية

تحت هذا العنوان نود الجواب عن أسئلة عدة نذكر منها على سبيل التمثيل دون الحصر ما يلي:
· بحكم طبيعة الإنسان البيوفيزيولوجية فإنه يخضع لقوانين طبيعية تشعره بمحدوديته و تناهيه الشيء الذي يحيطه بحتميات تترصده، فما علاقة الحرية بالحتمية ؟ أهي علاقة تعارض مطلق؟
· ثم هل يفضي القول بالحتمية إلى نفي كل إمكانية للحرية أم أن الوعي بالحتمية شرط أساسي لتحقيق الحرية؟

أطروحة ابن رشد

يرى ابن رشد بأن الإنسان مريد لأفعاله إلا أن إرادته هاته ليست حرة بإطلاق أو أنها من اختياره إذ هي مرتبطة بأسباب داخلية (كالقدرة العقلية و الجسمية و الأهواء و الحاجات...) و أسباب خارجية (المثيرات الحسية). و بالتالي فهي ردود أفعال ضرورية عن مثيرات معينة أو قل _بلغة ابن رشد_ هي معلولات لعلل محددة، "مثال ذلك أنه إذا ورد علينا أمر مشتهى من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار، فتحركنا إليه. و كذلك إذا طرأ علينا أمر مهروب عنه من خارج كرهناه بالضرورة، فهربنا منه. و إذا كان هكذا فإرادتنا محفوظة بالأمور التي من خارج و مربوطة بها... و لما كانت الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدود و ترتيب منضود، لا تخل في ذلك، بحسب ما قدرها بارئها عليه، و كانت إرادتنا و أفعالنا لا تتم و لا توجد بالجملة إلا بموافقة الأسباب التي من خارج، فواجب أن تكون أفعالنا تجري على نظام محدود (...) و كل مسبب يكون عن أسباب محدودة و مقدرة، فهو ضرورة محدود و مقدر.و ليس يلفى هذا الارتباط بين أفعالنا و الأسباب من خارج فقط، بل و بينها و بين الأسباب التي خلقها الله في داخل أبداننا..." فهناك إذن ضرورات طبيعية داخلية و خارجية تتحرك في إطارها إرادتنا الحرة، أو قل بأن الإنسان حر بالإرادة مجبر بالأسباب الداخلية و الخارجية.

أطروحة سبينوزا

لتوضيح موقفه من مفهوم الحرية الإنسانية يقترح علينا سبينوزا المثال التالي: تصور حجرا يتدحرج بفعل قوة خارجية أي بسبب خارجي، و لكن رغم توقف تلك القوة الخارجية فإن الحجر يواصل تدحرجه بالضرورة (اضطرارا لا اختيارا)، فلو أن هذا الحجر أثناء تدحرجه كان لديه أو حصل له وعي لاعتقد "أنه حر و أن لديه إرادة في التحرك، نظرا لأنه لا يعي سوى الجهد الذي يبذله، و لا يغفل عنه. إن هذا المثال ينطبق تماما على الحرية الإنسانية التي يتفاخر الجميع بامتلاكها، و التي تتلخص في كون البشر لديهم وعي بشهواتهم، إلا أنهم يجهلون الأسباب التي تتحكم فيهم". فسبينوزا يميز بين الإحساس بالحرية Sentiment de liberté و هو ما نستشعره في دواخلنا و يوهمنا بأننا أحرار ثم المعرفة بالحريةConnaissance de la liberté وهو ما نفتقر إليه في الغالب الأعم. فالحرية الإنسانية عنده بالدرجة الأولى عبارة عن وهم، إذ أن الإنسان يعتقد أنه حر لمجرد وعيه بأفعاله و ليس لمعرفته بمحددات أفعاله تلك. و لكن سبينوزا لا يقول بأن الإنسان ليس حرا و إنما بأن الحرية الحقيقية تكمن في معرفة قوانين الطبيعة بصفة عامة و المتحكمة في الأفعال الإنسانية بصفة خاصة. و لتحقيق هذا المبتغى على الإنسان أن يتجاوز العوائق التي تضعها أمامه رغباته و شهواته، "فالطفل الرضيع يعتقد أنه يشتهي الحليب، و الشاب المنفعل يريد أن ينتقم (...) و كل من على هذه الشاكلة، يعتقد أنه يسلك في فعله وفق قرار حر تمليه عليه نفسه، و ليس لكونه ينساب وراء الإكراه".

أطروحة ميرلوبونتي

و هو ينطلق من انتقاده لتصور سارتر للحرية و الذي يذهب فيه سارتر إلى القول بأن الحرية إما أن تكون مطلقة أو لا تكون على الإطلاق و ذلك من خلال قوله "بأننا أحرار في أن نختار و لكننا لا نختار بأن نكون أحرارا" على اعتبار "أننا محكوم علينا بأن نكون أحرارا" منذ البدء و لا خيار لنا في ذلك أبدا. في مقابل موقف سارتر هذا يرى ميرلوبونتي "أننا تعلمنا التعرف على نظام الظواهر، فتبين لنا أننا مندمجون مع العالم و الغير اندماجا وثيقا لا ينفصل. و بناء عليه فإن الوضعية التي نكون فيها تلغي الحرية المطلقة عند بداية الفعل و عند نهايته (...) فحريتي يمكنها أن تغير اتجاه حياتي، من اتجاهها التلقائي إلى اتجاه ثان أختاره أنا بمحض إرادتي، لكنه اختيار يمر عبر سلسلة من التعديلات أجريها على وضعي الأول، و ليس انطلاقا من وضعية أخلقها أنا بشكل مطلق". و معنى هذا أنني في البدء كائن معطى على وضع معين لست حرا أو مخيرا فيه و لا مريدا له فقط أنا موجود فيه و عليه، و لكنني بعد ذلك و بفضل حريتي أستطيع تغيير مجرى حياتي وفق إرادتي و اختياراتي و انتظاراتي. إلا أن كل التعديلات التي يمكن لي أن أجريها تتخذ من الوضع الأولي المعطى أساسا لها و ليس وضعية جديدة أخلقها من الصفر. و إذن في مثل هذا الوضع "لا أستطيع القول ما إذا كنت أنا الذي أعطي حياتي معناها، أم أني أتلقى هذا المعنى من تلك اللحظات و العوامل السابقة. فأنا بنية سيكولوجية و تاريخية (...) و ليس الإنسان سوى عقدة من العلاقات" فنحن إذن ننطلق من وضعيات محتومة لا نهائية و معها نتمتع بحرية دائمة لا مطلقة.

الحرية و الإرادة
حرية الإرادة و مفهوما السببية و القصدية... أية علاقة؟

2 المحور الثاني: حرية الإرادة

و يمكن تناول هذا المحور من خلال مقاربة جملة من الأسئلة نذكر منها تجاوزا ما يلي:
· إذا كانت باقي الكائنات الطبيعية تخضع في حركتها الفيزيائية لمبدإ السببية فإن السلوك الإنساني يرتبط بمبدإ القصدية و الغائية و من ثم فهو خاضع للإرادة، و لكن ما علاقة الإرادة بالحرية؟
· ثم هل سلوك الإنسان هذا ناتج عن إرادته الحرة أم أنه مكره في إرادته تلك؟
· و بالتالي هل يحقق الإنسان اختياراته الحرة أم أنه يلبي متطلبات مفروضة عليه؟

أطروحة ابن باجة

يفرق ابن باجة في الفعل بين نوعين: فعل بهيمي و فعل إنساني، "فالفعل البهيمي هو الذي يتقدمه في النفس الانفعال النفساني فقط،، مثل التشهي أو الغضب أو الخوف و ما شاكله، و الإنساني هو ما يتقدمه أمر يوجبه عند فاعله و هو الفكر". بمعنى أن الفعل البهيمي الحيواني فعل غريزي طبيعي أي أنه عبارة عن رد فعل أو انفعال مباشر لمثير خارجي، في حين أن الفعل الإنساني مسبوق بالروية و التفكير و بالتالي فهو ناتج عن إرادة و اختيار. و يضيف قائلا "و الأفعال الإنسانية الخاصة به (أي بالإنسان) هي ما يكون باختيار، فكل فعل إنساني هو فعل باختيار. و أعني بالاختيار، الإرادة الكائنة عن روية". فابن باجة يرى بأنه إذا كان الإنسان يشارك الحيوان في النفس البهيمية (الغضبية / الشهوانية) و ينفرد عنه بالنفس العاقلة (الناطقة) فإن للإنسان بناء على ذلك نوعين من الأفعال: أفعال تابعة للنفس البهيمية و هي ما كان بالطبع و الغريزة، ثم أفعال تابعة للنفس العاقلة و هي ما صدر عن تفكير و روية، الأولى تخضع للضرورة الطبيعية بينما الثانية ناتجة عن الاختيار الحر. إلا أن الحرية الإنسانية هنا ليست حرية مطلقة بل هي حرية محدودة و تتوقف أحيانا على عوامل خارجية. و ختاما يخلص ابن باجة إلى أن الفعل الخلقي فعل إلزامي و أن مصدر إلزامه هو العقل (الفكر أو الروية) وليس الأوامر الإلهية أو سلطة المجتمع أو تحقيق اللذة و المنفعة، و من هنا فلا مسؤولية عن فعل ما دون إرادة حرة له و تفكير عقلاني فيه.

أطروحة كانط

تعتبر حرية الإرادة عند كانط إحدى مسلمات العقل العملي الثلاثة (بالإضافة إلى خلود النفس و وجود الله). و هي شرط قيام الواجب إذ بدونها لا يتحقق الواجب الأخلاقي. كما أن حرية الإرادة مرتبطة بالكائن العاقل (الإنسان) باعتباره عاقلا. فالجمادات و الحيوانات بحكم افتقارها إلى العقل لا تتمتع بحرية الإرادة و بالتالي لا استقلالية لها في سلوكها و لا مسؤولية عليها في ذلك على اعتبار أنها تخضع لقوانين الطبيعة (الحتمية) لا لمبدأ الحرية. و اعتبار الإرادة الإنسانية حرة لا يتعارض مع اعتبار الواجب الأخلاقي إلزاميا. إذ أن الإرادة الإنسانية الحرة في الواجب الأخلاقي الإلزامي لا تخضع لسلطة إكراه خارجية (كالأوامر الدينية أو قوانين المجتمع...) بل لسلطة العقل العملي الداخلية، إذ يكون "الإنسان دولة هو فيها السيد و المسود، فلا بد لإرادته من الحرية، و هي حرية لا تعني قدرة المرء على أن يصنع أي شيء، و لكن قدرته على أن يمسك بعنان رغباته و ميوله، و يسلمه إلى حكم عقله و هدي أخلاقه". فالمبدأ الأساسي و الأعلى للخليقة _حسب كانط_ هو "استقلال الإرادة" لأنه مبدأ كرامة الطبيعة الإنسانية و كل طبيعة عاقلة. صحيح أن الإنسان على مستوى كينونته الحسية ككائن عضوي (أي كجسم) يخضع للضرورة و القوانين الطبيعية و العلية الفيزيقية و هو بهذا يشارك الجمادات و الحيوانات. و لكنه بفضل عقله يكون الإنسان الكائن الوحيد الذي يميز بين ما يرغب في فعله و ما ينبغي عليه فعله. و من ثم فإن ما ينبغي عليه فعله يتضمن بالضرورة القدرة على فعله و إلا كانت طاعة الواجب الأخلاقي وهما.

أطروحة سارتر

يتأسس موقف سارتر على ثلاثة أفكار أساسية: أولها أن وجود الإنسان سابق على ماهيته، و بالتالي فالإنسان في البدء يوجد عبارة عن لا شيء، غير قابل للتعريف، و لن يحقق ماهيته إلا فيما بعد و ذلك عبر فعل الوجود، "و هكذا فالخطوة الأولى في الوجودية تتمثل في الدفع بالإنسان إلى امتلاك كينونته كاملة (...) و الإنسان لا يكون إلا بحسب ما ينويه و ما يشرع في فعله". و من ثم فالإنسان مشروع، إذ هو ليس هو ما هو كائن بل هو ما سيكون. و هنا تتجلى حرية الإنسان في صنع ذاته. و ثانيها أن حرية الإنسان هذه منتجة لماهيته سابقة على إرادته، إذ هي حرية أصيلة مؤسسة للإنسان. و تترتب عن حرية الإنسان و إرادته الحرة ضرورة تحمله مسؤولية أفعاله، "فإذا كان الوجود أسبق من الماهية فالإنسان يصبح مسؤولا عما هو عليه". و ثالثها أننا "عندما نقول إن الإنسان يختار ذاته، فإننا نقصد بذلك أن كل واحد منا يعمل على اختيار ذاته، و لكن باختياره لذاته فهو يختار جميع الناس (...) و هكذا أكون مسؤولا أمام نفسي و أمام الآخرين، لأنني أرسم صورة معينة للإنسان الذي اخترته؛ فاختياري لنفسي هو اختيار للإنسان". و نتيجة لمسؤولية الاختيار يتولد عند الإنسان نوع من القلق الدائم، يقول عنه سارتر "إن القلق الذي نعنيه هنا ليس هو القلق الذي يؤدي إلى الاستكانة و اللافعل، لكن القلق البسيط الذي يعرفه كل من تحمل مسؤولية من المسؤوليات في يوم من الأيام". و هكذا تكون الحرية و الإرادة و المسؤولية والقلق أدوات خلق ماهية الإنسان.

الحرية و القانون
في المجال السياسي و في الحياة العامة: هل الضوابط القانونية قيد للحرية أم حماية لها؟

3 المحور الثالث: الحرية و القانون

· إذا كانت المساءلة القانونية في إطار تحديد المسؤوليات تميز في الفعل بين المتعمد و غير المتعمد فما علاقة الحرية بالقانون؟
· و هل يمكن أن تقوم الحرية خارج مجال الضوابط القانونية؟
· ثم هل يعمل القانون على تأسيس الحرية أم على تقييدها و الحد منها؟
· و أخيرا ما موقع الحرية في مجال السياسة و الحياة العامة؟

أطروحة العروي

و هو يذهب إلى أن الحرية في أول تجربة يمارسها الفرد داخل مجتمع ما تتمثل في تجربة الإمكان و ذلك من خلال شقين: أولهما المعنى المادي و المراد به استطاعة المرء على القيام بما يرغب فيه وفقا لقدراته التي يتمتع بها و لسائر الوسائل و الإمكانيات التي يملكها. و ثانيهما المعنى القانوني و المراد به السماح له بما يريده دون أن يتعرض لعقاب ما وفقا للحقوق المعترف له بها و لسائر القوانين و الأعراف المؤلفة لأفقه الاجتماعي و المنظمة لمختلف علاقاته مع الغير. إلا أن المرء متى تحرك في اتجاه ما وجد نفسه في مواجهة جملة من الموانع و الحواجز و العوائق العائلية أو الطائفية أو القانونية أو الشرعية... وهو ما يقوده إلى الدخول في صراع ضد أفراد أو هيئات و مؤسسات وصية (الأب، النقيب، القاضي، الشيخ...). و نتيجة لما يسفر عنه هذا الصراع تزداد منظومة الحقوق و وسائل التحرر المادية إما نموا و اتساعا و إما تقلصا و تراجعا. فالحرية إذن ليست معطى جاهزا و لا حالة قارة بل هي سيرورة و عملية تحرير مستمرة لا بداية و لا نهاية لها، هي صراع وعراك دائم و مد و جزر، "إن الحرية في هذا المنظور تعني فقط عملية تحرير مستمرة، و لا تعني حالة قارة نستطيع ضبط بدايتها و نهايتها..."

أطروحة مونتسكيو

يرى مونتسكيو بأن مفهوم أو قضية الحرية _كما أسماها_ من أكثر المفاهيم (القضايا) تباينا من حيث دلالة معانيها، إذ تراوحت دلالاتها بين "حق التسلح و ممارسة العنف" من جهة و "ضرورة عزل من عهدوا إليه بسلطان طاغ" من جهة ثانية بل و حتى "عادة إطلاق اللحى طويلة" و كذا "حق انتخاب من يجب عليهم أن يطيعوه"... و في خضم هذا التباين الدلالي أورد تعريفه باعتباره "أن الحرية السياسية لا تقوم على فعل ما يراد مطلقا. و لا يمكن للحرية، في الدولة (...) أن تقوم على غير القدرة على فعل ما يجب و على عدم الإكراه على فعل ما لا يراد". و ما يجب أو ما لا يراد مرجعيته الأساسية هي القانون، و من هنا تصبح "الحرية هي حق فعل ما تبيحه القوانين. فإذا ما استطاع أحد الناس أن يصنع ما تحرمه القوانين سيفقد الحرية، و ذلك لإمكان قيام الآخرين بمثل ما فعل". و من هنا تكون الحرية كإرادة مطلقة أي كفعل لما نريده بإطلاق أمرا مرفوضا سواء على مستوى الفرد أو الدولة. لذا ارتأى مونتسكيو بأنه "لكي لا يكون هناك شطط في استعمال السلطة، ينبغي أن تنظم الأشياء بحيث تجد السلطة نفسها محدودة بسلطة أخرى"، تتمثل من جهة في ضرورة الفصل بين السلط لضمان الحرية السياسية، و من جهة ثانية في وضع قوانين تحد من سلطة السلطة (أي من قوة الدولة). و لهذا انتهى إلى "أن الحرية تحتاج إلى حدود"، و هذه الحدود لن تكون شيئا آخر غير القوانين إذ أن الحرية بدون قانون عبارة عن تسيب و فوضى.

أطروحة أرندت

ترى أرندت بأن مفهوم الحرية قد تم اعتباره عن خطإ بوصفه إشكالا نظريا و قضية فلسفية ميتافيزيقية مثل الوجود و العدم و الخلود و الزمان... و من ثم عمل التراث الفلسفي على ربط الحرية بالمجال الداخلي للفرد متمثلا في الإرادة و بالتالي أصبحت منفتحة على الاستبطان و خاضعة له أي أنها أضحت حلقة وصل بين المرء و ذاته، بينما "الحقل الذي عرفت فيه الحرية، ليس باعتبارها مشكلة، بل باعتبارها جزءا من الحياة اليومية، هو حقل السياسة"، أي مجال الفعل الإنساني العام و ليس مجال الفكر: "لأن الفعل و السياسة يعتبران من بين القدرات و الإمكانات المتعلقة بالحياة الإنسانية، و التي لا يمكن التفكير فيها بمعزل عن وجود الحرية". فالمجال الفعلي للحرية هو مجال السياسة باعتباره مجال الشأن العام و الذي يهم الجميع. كما أنه خارج الحياة العامة أو العمومية المضمونة سياسيا يصعب إن لم نقل يستحيل قياس مدى حضور أو غياب الحرية باعتماد مؤشرات من قبيل الحق في التعبير عن الرأي و احترام الرأي الآخر وضمان حقوق الإنسان و التداول السلمي على السلطة و الفصل بين السلط و استقلال القضاء... و غيرها من مظاهر الديمقراطية و دولة الحق و القانون و الحريات العامة. "إن الحرية ليست خاصية مميزة لأي شكل من أشكال العلاقات الإنسانية، و لا لأي نوع من أنواع الجماعات البشرية. فحيثما يعيش الناس في مجموعة لا تشكل هيئة سياسية _مثل ما هو حاصل في التجمعات القبلية أو الأسرية_ فإن ما ينظم أفعالهم و تصرفاتهم ليس هو الحرية، بل هو ضرورات الحياة والحرص على البقاء".


بقلم الأستاذ سعيد حارث


تعليقات