أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

المقدمة :

وجب الشيء لغة إذا ثبت و لزم، و الواجب "هو اللازم و قد يقال الواجب لما يقابل الجائز و الممكن و الممتنع،  واجب الوجود هو الذي يكون وجوده من ذاته و لا يحتاج إلى شيء" كالله _عز و جل_ عند ابن سينا. و الواجب عند الفقهاء هو ما يلزم به الشرع، فيثاب على فعله و يعاقب على تركه. أما عند كانط فهو أمر جازم لازم يحملنا على طاعته احتراما له لا رغبة في ثواب و لا رهبة من عقاب من ورائه. فالامتثال للواجب مباين للخضوع للقاعدة الاجتماعية أو العرف السائد أو العادة المتداولة أو القانون الجاري به العمل في كون هذه الأخيرة كلها عبارة عن إكراهات ذات طابع خارجي و من ثم فالفرد ملزم بها، في حين أن الواجب امتثال لإرادة داخلية يكون الفرد ملتزما بها. أضف إلى ذلك اتصاف الأعراف و العادات و القوانين بالنسبية لتغيرها بتغير الزمان و المكان و الإنسان، في حين أن الواجب الأخلاقي يتصف بالثبات و الكونية. و الواجب بهذا المعنى يضعنا أمام إشكاليات عدة يمكن أن نجملها في شكل ثنائيات على الشكل التالي: الواجب و الإكراه ثم الواجب و الوعي الإجتماعي و أخيرا الواجب و المجتمع، و هذه هي المحاور الثلاث لهذا الدرس.

الواجب و الأكراه
الواجب :حرية و اختيار أم إكراه و إلزام؟

1 المحور الأول: الواجب و الإكراه

و هو يتوخى مقاربة العلاقة بين الواجب الأخلاقي و الإكراه أو الإلزام من خلال طرحه للأسئلة التالية:
· أين يتموقع الواجب الأخلاقي بين الحرية و الإكراه؟
· هل يصدر هذا الواجب عن إرادة حرة و عاقلة و واعية بمقاصد سلوكها، أم أنه يصدر عن إكراه اجتماعي مستقل عن إرادة الفرد رغم أنه يبدو و كأنه منبعث عن إرادته واختياره الحر؟
· أين يتموقع الواجب الأخلاقي بين الالتزام والإلزام؟

أطروحة دافيد هيوم

و هو يرى بأن سلوك الإنسان عمل آلي محض، و لا وجود لما يسمى بالإرادة الحرة، فأنت متى عرفت طبيعة إنسان ما أمكنك أن تتنبأ بتصرفه في كل مواقفه المقبلة. و يضيف بأن الدافع الأساسي للسلوك الإنساني ليس هو العقل بل هو الهوى (Passion) متمثلا في اللذة و الألم إذ بهما نميز بين الخير و الشر. كما أن الفضيلة هي ما يبعث في النفس على الرضى و اللذة أما الرذيلة فتبعث على الشقاء و الألم. فالأهواء و الانفعالات هما أساس الواجب و ليس العقل و التفكير. و من ثم فالواجبات الأخلاقية على العموم نوعان: واجبات غريزية (طبيعية) مثل حب الأطفال و العطف على المعوزين و شكر المحسنين و حب الذات و حب التملك، و هي غير إلزامية و لا ذات منفعة عامة أو خاصة. ثم واجبات اجتماعية (ثقافية) مثل العدالة (أو احترام ملكية الآخر) و الإخلاص (أو احترام الوعود)، و هذه إلزامية و ضرورية إذ بدونها يستحيل استمرار المجتمع.

أطروحة ايمانويل كانط

في نفس هذا السياق يذهب كانط إلى أن إرادة الإنسان لا تخضع دائما لأوامر العقل بل و للغرائز كذلك. لذا فإن الإنسان يمارس على نفسه إكراها حين إتيان الأمر الأخلاقي. و من ثم فالأوامر أو الواجبات الأخلاقية عنده نوعان: أوامر أو واجبات أخلاقية شرطية (مثل قولنا: إذا أردت كذا... فيجب عليك كذا...) ثم أوامر أو واجبات أخلاقية قطعية (مثل قولنا: يجب عليك قول الحقيقة). فأما الأولى فتتصف بالنسبية إذ هي تنظر إلى الأفعال من جهة نتائجها المتغيرة بتغير الأحوال و من ثم فهي مجرد وسيلة لتحقيق غاية تمثلها المصلحة الخاصة. و أما الثانية فتتصف بالمطلقية إذ هي تنظر إلى الأفعال من حيث هي في ذاتها بغض النظر عن نتائجها و من ثم فهي غاية في ذاتها و ليست مجرد وسيلة. و الواجب الأخلاقي عموما عند كانط مرتبط بشرطين: أولهما الإيمان بالحرية إذ أن "الإنسان ( كما يقول كانط) دولة هو فيها السيد و المسود، فلا بد لإرادته من الحرية، و هي حرية لا تعني قدرة المرء على أن يصنع أي شيء، و لكن قدرته على أن يمسك بعنان رغباته و ميوله، و يسلمه إلى حكم عقله و هدي أخلاقه". و ثانيهما الإيمان بثنائية الطبيعة البشرية، إذ لو كانت لنا طبيعة واحدة متجانسة لتصرفنا في عفويتنا إما كحيوان منساق وراء غرائزه و إما كملاك معصوم من الشر. و لكننا لا نخلو من تناقض و شقاق و صراع بين الخير و الشر. و يضيف كانط بأن كل الأوامر الأخلاقية المكونة للواجب تنحدر عن ثلاثة قواعد: أولها، تصرف كما لو أن قاعدة سلوكك ستشرع كقانون كوني. و ثانيها، تصرف بطريقة تجعلك تعامل الإنسانية في شخصك و في الأشخاص الآخرين، كغاية لا كوسيلة. و ثالثها، تصرف كما لو كنت مشرعا/سيدا و ذاتا/مسودة في ذات الوقت.

أطروحة ايميل دوركهايم

و يذهب فيها إلى أن الأخلاق لدى الفرد لا تبدأ إلا حين يبدأ التعلق بمجتمع من المجتمعات. كما أن المجتمع ليس مجرد كيان أو واقع مادي فحسب، بل هو كائن حي أو جسم عضوي روحه هي المثل و القيم الروحية للجماعة، أضف إلى ذلك "أن المجتمع يتحكم فينا لأنه خارجنا و أعلى منا، و أن البعد المعنوي الذي بيننا و بينه يجعل منه سلطة تنحني أمامها إرادتنا". و بما أن القيم الروحية و المثل العليا و التقاليد التي يجسدها المجتمع قد تشربها أفراده عبر التربية و التنشئة الإجتماعية، فإن هذه القيم و المثل و التقاليد. قد أضحت جزءا لا يتجزأ من كل فرد من أفراد المجتمع، بل و أصبح المرء يرغب فيها و يسمع نداءها في باطنه فيستجيب إليها امتثالا لها. إن إحساسنا بالإلزام إزاء الواجبات ينحدر عن إحساسنا بضغط المجتمع في دواخلنا و حضوره فينا عبر تلك القيم و المثل و التقاليد. و من ثم كانت "الصفة الأولى للفعل الأخلاقي هي الإلزام لكن صفته الثانية الملازمة هي كونه محط رغبة". و هنا يختلف دوركهايم عن كانط: إذ هما معا يؤمنان بإلزامية الواجب الأخلاقي إلا أن دوركهايم ينفرد باعتبارنا "أننا لا نستطيع أن نقوم بعمل ما فقط لأنه مطلوب منا القيام به أو لأننا مأمورون به. من المستحيل نفسيا أن نسعى نحو تحقيق هدف نكون فاترين تجاهه و لا يبدو لنا خيرا وجيدا، و لا يحرك حساسيتنا (...) و هكذا يتعين علينا أن نقبل بقسط من أخلاق اللذة التي تقبل التداخل بين اللذة و المرغوبية داخل الإلزام الأخلاقي و هو ما يجعلنا نمارس الواجب وفق القاعدة المطلوبة منا بنوع من الرضى و الإغراء". فالواجب إذن يتصف بالإلزامية و المرغوبية.

الواجب و الأخلاق
الواجب : إلزام أم التزام؟

2 المحور الثاني: الوعي الأخلاقي

و هنا كانت ماهية الوعي الأخلاقي من جهة و العلاقة بينه و بين الواجب الأخلاقي محط تساؤلات عدة نذكر منها على سبيل التمثيل ما يلي:
· هل الوعي الأخلاقي ذو طبيعة اعتباطية أم أن له أساسا ما في ذواتنا؟
· ما مصدر هذا الوعي الأخلاقي، هل هو ضمير الفرد ذاته أم ما ورثه عن محيطه السوسيو-ثقافي من قيم و معايير للسلوك القولي و الفعلي؟
· هل لهذا الوعي الأخلاقي وجود قبلي سابق على كل تجربة أم وجود بعدي ناتج عن هذه التجربة شأنه في هذا شأن باقي المعارف و الأفكار؟ بتعبير آخر أهو فطري أم مكتسب؟

أطروحة ايريك فايل

و هو يذهب إلى أن الفعل الأخلاقي فعل الفرد تجاه ذاته، إذ هو فعل تقوم به الذات و تقيم به و تقوم به. و هو يحقق انتصارا للعقل على النزوات و الأهواء، بل إنه يشكل انتصار الكوني العام على الفردي الخاص. إذ أن إنسانية الإنسان تتجلى في الإنسان عبر أخلاقه و بهذا يكون قولنا "الإنسان كائن متخلق" مرادفا لقولنا "الإنسان كائن عاقل". فالعقل و الأخلاق لا يتناقضان بل يتكاملان في تحديد ماهية الإنسان. و من هنا فإن تبني فكرة ما وفق مبدإ عقلي معين هو في الوقت ذاته و في حقيقته فعل أخلاقي. و الإنسان الذي يتساءل عما إذا كان من حقه القيام بفعل لا أخلاقي أو من واجبه أداء فعل أخلاقي هو ببساطة إنسان غير نزيه، إذ أن عيبا أو نقصا ما يعتري إنسانيته. بهذا المعنى فإن الانحياز إلى الأخلاق أو الاحتكام إلى الوعي الأخلاقي ليس فعلا اضطراريا أو ناتجا عن إكراه داخلي أو خارجي بل هو اختيار حر يقوم به العقل. لذا "فإن الإنسان متى انحاز إلى العقل، فإن المبدأ الأخلاقي... يكون قد تم تأسيسه بالفعل".

أطروحة فرانتز برونتانو

و هو يرى بأن الإنسان فوق كونه كائنا حيا طبيعيا هو كذلك كائن اجتماعي. و من خلال مختلف علاقاته مع باقي أفراد و مؤسسات مجتمعه يتلقى أوامر عدة يطلب منه الامتثال إليها. و من ثم فهو "قد يتمثل القوة التي تتحكم في المجتمع الذي يعيش فيه، أو قد يتمثل الأمر بطريقة غامضة، أي كشيء يتجاوزه باعتباره شخصا و فردا، و يعلو على كل ما هو بشري. فهذا الإلزام الذي يسير جنبا إلى جنب مع أفعاله، يصدر عن الوعي الأخلاقي،  فعندما يمتثل للأوامر يكون ذلك ناتجا عن إكراه، و ليس ناتجا عن اعتبار الأمر الصادر شرعيا". فالواجب الأخلاقي إذن صادر عن وعي أخلاقي هو في حد ذاته قواعد للسلوك أو دروسا تم استخلاصها امبيريقيا/اختباريا عن طريق التجربة أثناء المعيش اليومي، "فالأخلاق تتأسس على القاعدة و ليس على الإلزامات الصادرة عن إرادة خارجية". بالموازاة مع سلطة الوعي الأخلاقي هاته يعرف الإنسان كذلك سلطة العقل المنطقي "و ذلك عندما نتحدث عن الضرورة المنطقية التي تخضع لها أحكامنا و استنباطاتنا، و من ثم يلزم مراعاتها لئلا يقع المرء في الخطأ إذا ما خالفها".

أطروحة جان جاك روسو

إذا كان ايريك فايل يرى بان لا تناقض بين العقل و الأخلاق إذ أن استعمال العقل ذاته دليل وجود المبدإ الأخلاقي، و إذا كان برونتانو يفصل بين العقل و الأخلاق و يؤسس الوعي و الواجب الأخلاقيين على التجربة الحسية و السلوك الاختباري الأمبيريقي اليومي، فإن روسو _قبلهما_ قال "بأنه يوجد في أعماق النفوس البشرية مبدأ فطري للعدالة و الفضيلة، تقوم عليه، رغم مبادئنا الشخصية، أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا و أفعال الغير فنصنفها بالخيرة أو الشريرة. و إنني أسمي هذا المبدأ باسم الوعي (...) إن أفعال الوعي ليست أحكاما بل أحاسيس". فالوعي الأخلاقي إذن ليس مستقى من العقل و لا من التجربة بل هو شيء فطري فينا يولد معنا و بفضله ندرك التوافق أو عدم التوافق الحاصل بيننا و بين ما يحيط بنا فيجعلنا نحترم هذا و ننفر من ذاك، و نقبل هذا السلوك و نرفض ذاك. و من هنا فإن الوعي الأخلاقي بمثابة غريزة توجه سلوكنا و تمكننا من التمييز في الأشياء و الأحداث بين خيرها و شرها حسنها و قبيحها. و بهذا فإن الوعي الأخلاقي هو ما يحقق تميز الإنسان عن الحيوان، "أنت أيها الوعي من يعطي امتيازا لطبيعة الإنسان، و يمنح أفعاله خلقا. فبدونك لن أشعر في ذاتي بما يجعلني أسمو فوق مرتبة البهائم".

الواجب و المجتمع

3 المحور الثالث: الواجب و المجتمع

و يمكن أن نجمل الأسئلة التي يعالجها هذا المحور كما يلي:
· هل تتأصل أخلاق الواجب عن ضمير الفرد أم عن تشبعه بأخلاق مجتمعه، و بالتالي عن الضمير الجمعي كما يسميه بعض علماء الاجتماع (دوركهايم)؟
· إذا كان الوعي الأخلاقي مرتبطا بالفرد أفلا يكون حينها ذاتيا؟
· ثم إذا كان مرتبطا بالمجتمع أفلا يكون حينها نسبيا قابلا للتغيير من مجتمع أو عصر لآخر؟

أطروحة ايميل دوركهايم

وهو يذهب إلى أنه "محال أن نجد اليوم، أو فيما مضى، شعبا واحدا يحكم على أي فعل أناني، أعني فعلا يهدف إلى الصالح الشخصي لمن يؤديه، بأنه فعل أخلاقي. و من هنا نستنتج أن بين الأفعال التي تحض عليها الأحكام الأخلاقية صفة مشتركة، هي استهدافها غايات غير ذاتية". فالواجب الأخلاقي إذن ذو طابع موضوعي لا ذاتي، اجتماعي لا فردي عام لا خاص. و لا عجب في هذا الأمر على اعتبار أن الواجب الأخلاقي يتشكل من الوجدان الاجتماعي الذي يتشكل بدوره من الوجدانات الفردية، إذ "أن النفوس الفردية تتجمع و تتداخل و تتلاحم و يتولد منها كائن يمكن أن نقول عنه إنه نفساني إن شئنا، و لكنه من نوع جديد"، هو ما يسميه دوركهايم بالضمير أو الوعي الجمعي Conscience collective. و هو مكتسب عن المحيط السوسيوثقافي للفرد عبر التربية و التعليم و التنشئة الإجتماعية و التلقين. و من ثم فالمجتمع إذن هو الغاية القصوى و العليا لكل نشاط أو فعل أخلاقي و ذلك لسببين أساسيين: أولهما أن المجتمع يتجاوز و يتعالى عن وعي الأفراد و لا يجوز اعتباره مساويا لمجموع أفراده، فالأمر هنا ليس مجرد عملية جمع حسابية بل غائية أخلاقية متعالية. و ثانيهما أن هذه الغاية تحمل سلطة أخلاقية تفرض الاحترام "فالمجتمع إذن يتوفر في ذاته بالضرورة على كل ما ينبغي لكي يمنح لبعض قواعد السلوك هذه الصفة الإكراهية المميزة للإلزام الأخلاقي". و من هنا "فإذا تكلم ضميرنا فإنما يردد صوت المجتمع فينا و لا شك في أن اللهجة التي يتكلم بها خير دليل على ذلك".

أطروحة هنري برغسون

و قد تساءل برغسون عما كانت ستؤول إليه حياتنا لو تركنا على سليقتنا و حالنا نفعل ما نريد ؟ ليجيب بأننا كنا سننتقل من متعة إلى متعة و لكننا في الوقت ذاته كنا سنواجه بالمنع المرئي و غير المرئي. فمعلمونا و مربونا و آباؤنا قاموا في وقت سابق بتعويدنا على المباح و المسموح به و المقبول من الأقوال و الأفعال أي عما يجب و ما لا يجب داخل مجتمعنا. إلا أن آباءنا و معلمينا و مربيينا هؤلاء لم يكونوا حينها يمارسون سلطتهم التي طالما عهدناها لديهم بل كانوا يتصرفون بالنيابة عن مؤسسة أكبر و أقوى منا و منهم: هي المجتمع، "إن المجتمع هو الذي يرسم للفرد مناهج حياته اليومية". و بالتالي فنحن حينما نمارس حياتنا بمختلف منعرجاتها و منعطفاتها لا يسعنا إلا أن نسير وفق الواجبات المرسومة سلفا في دواخلنا "فالواجب بهذا المعنى، يتحقق تحققا آليا، حتى يمكن القول بأن الخضوع للواجب يكون في معظم الحالات بأن يرخي الإنسان زمام نفسه، و يستسلم لها". و من جهة ثانية فالأخلاق _على العموم_ نوعان: أخلاق منغلقة تخضع لضغط المجتمع و واجباته الخاصة و المحدودة، ذات الطابع السكوني و التي تتحول من فرط اعتمادها إلى مجرد عادات لدى الأفراد. ثم أخلاق مفتوحة تتجاوز حدود المجتمع الضيقة نحو آفاق أكثر رحابة و شساعة و اتساعا لتشمل الإنسانية جمعاء.

أطروحة ماكس فيبر

و هو يرى بأن كل فعل له مرجعية أخلاقية يمكن أن يتأسس على أحد المبدأين الأساسيين المتعارضين الآتيين: أخلاق الاعتقاد أو أخلاق المسؤولية. فأما أخلاق الاعتقاد أو الاقتناع Ethique de conviction فتركز بالأساس على المبدإ الذي ينبني عليه الفعل الأخلاقي وهو المعتقد الديني أو الايديولوجي أو المذهب الفلسفي أو السياسي الذي يؤمن به الفرد. و هنا يتم تنصل هذا الفرد من تحمل تبعات أفعاله ليعلقها على محددات خارجية كالمشيئة الإلهية أو الظروف السياسية أو الحيثيات الزمكانية (كأن يقول المسيحي مثلا بأنه قد قام بواجبه الأخلاقي أما فيما يخص نتائج فعله فهو يتوكل فيها على الله: فإن تكلل الفعل بنجاح فلا قول هناك و إن فشل فلا مرد لقضاء الله و قدره، تلك كانت مشيئة الله). و أما أخلاق المسؤولية Ethique de responsabilité فتركز _كما يبدو من تسميتها_ على نتائج الفعل الأخلاقي أي على ما يتولد عن هذا الفعل من تبعات ايجابية كانت أو سلبية مع تحمل الفرد المسؤولية الأخلاقية التامة عن كل ذلك. و هذا التمييز يصلح كأرضية للفصل بين أخلاق التقليد باعتبارها أخلاق الضمير الفردي اللامسؤول من جهة و أخلاق الحداثة باعتبارها قائمة على تأطير الوعي الأخلاقي الفردي و مساءلته و محاسبته قانونيا في إطار مؤسساتي من جهة ثانية.


بقلم الأستاذ سعيد حارث


تعليقات