مقدمة :
"العدل أساس الملك" حكمة كردية قديمة مفادها أن تماسك أفراد المجتمع و التملك عليهم لا يستقيمان إلا بالعدل. و العدل أو العدالة لغة هي الاستقامة و فلسفيا هي ملكة في النفس تحثها على التوسط و تقيها من الإفراط و التفريط في مختلف الأمور، و أما قانونيا فهي تقوم على مبدأين: أولهما المساواة أي أن الكل سواسية في الخضوع للقانون، و ثانيهما الإنصاف أي أن من حق كل فرد الاستفادة بالتساوي من الحقوق الأساسية (المادية و المعنوية). وهنا تتداخل العدالة مع الحق و القانون. و الحق لغة هو اليقين و الاستقامة و الثبات، و في اللغة الفرنسية تشتق كلمة (Droit) من الكلمة اللاتينية (Directus) و هي تعني ما كان مستقيما لا اعوجاج فيه، أما فلسفيا فهو معيار أو قاعدة قانونية أخلاقية لتنظيم العلاقات و ضبط السلوكات فيما بين أفراد مجتمع سياسي معين، و من ثم فهو مقابل لما هو أمر واقع بالفعل. و الزوج حق/عدالة يضعنا أمام إشكاليات عدة سنتناولها تباعا من خلال المحاور الثلاثة التالية:
1 المحور الأول: الحق بين الطبيعي و الوضعي
و يمكن القول بأن أهم التساؤلات التي يضعنا هذا المحور أمامها تتحدد كما يلي:
· هل يتأسس الحق على ما هو طبيعي-غريزي (فطري) أم على ما هو وضعي-ثقافي (مكتسب)؟
· هل من الضروري أن ينبني الحق على الإكراه والإلزام أم أنه يمكن أن ينتج عن المواضعة و الالتزام؟
· أين يتموضع الحق بين الطبيعة (القوة) و الثقافة (القانون)؟
أطروحة هوبز
يميز هوبز بين الحق الطبيعي Jus naturalis و القانون الطبيعي Lex naturalis . حيث إن"الحق الطبيعي كما يسميه الكتاب عادة، هو الحرية الممنوحة لكل إنسان لاستخدام قواه الخاصة للمحافظة على طبيعته الخاصة أعني للمحافظة على حياته الخاصة، و بالتالي حريته في أن يفعل أي شيء يكون في تقديره أو أن يتصور عقله أنه أنسب الوسائل لتحقيق هذه الغاية". و أما "قانون الطبيعة، فهو فكرة أو قاعدة عامة يكتشفها العقل ليمنع بها المرء من أن يعمل ما فيه دمار لحياته أو ما ينزع وسائل المحافظة على الحياة". و الحقوق الطبيعية عنده على العموم أربعة: حق البقاء و المحافظة على الذات (كغاية)، ثم حق استخدام الوسائل المناسبة و الضرورية للحفاظ على البقاء (كوسيلة)، و ثالثها حق تقدير حجم الخطر الذي يتهدد المرء و نوع الوسائل الضرورية لدفعه (أي استقلالية اتخاذ القرارات كحق يترتب عن الحقين السابقين)، و أخيرا حق الملكية أو الإستحواذ أو الحيازة و وضع اليد على كل ما يجده المرء أمامه، "فالكل يملك كل شيء ، و بالتالي لا أحد يملك شيئا... لقد منحت الطبيعة كل إنسان الحق في كل شيء". مثل هذا الوضع قاد إلى "حرب الكل ضد الكل"، إلى قانون الغاب، حيث القوي يغلب الضعيف و البقاء للأقوى، فأضحى "الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان". الشيء الذي أضحى يهدد حياة و بقاء الإنسان كأهم حق من الحقوق الطبيعية على الإطلاق. و ترتب عن هذا الوضع بالتالي ظهور قانونين من قوانين الطبيعة و هما: "السعي إلى السلم و اتباع طريقه" (من أجل الحفاظ على البقاء) من جهة، و إذا تعذر الأمر "حق الدفاع عن النفس بكل الوسائل المتوفرة" (لتحقيق الغاية نفسها).
أطروحة سيبنوزا
و هو يرى بأن الطبيعة (الله) قد وهبت كل كائن ما به يضمن بقاءه و يحافظ على استمرار وجوده، و بالتالي فهو متى استند إلى ما وهبته الطبيعة إياه لحفظ بقائه فإنه يكون حينها قد مارس حقه الطبيعي. و هو يعني "بالحق الطبيعي و بالتنظيم الطبيعي مجرد القواعد التي تتميز بها طبيعة كل فرد، و هي القواعد التي ندرك بها أن كل موجود يتحدد وجوده و سلوكه حتميا على نحو معين. فمثلا يتحتم على الأسماك، بحكم طبيعتها، أن تعوم و أن يأكل الكبير منها الصغير، طبقا لقانون طبيعي مطلق". و من هنا كان "لكل موجود طبيعي حق مطلق على كل ما يقع تحت قدرته، أي أن حق كل فرد يشمل كل ما يدخل في حدود قدرته الخاصة (...) و كل من يفعل شيئا طبقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقا مطلقا، لأنه يسلك طبقا لما تمليه عليه طبيعته و لا يمكنه أن يفعل سوى ذلك (...) و على ذلك فإن الحق الطبيعي لكل إنسان يتحدد حسب الرغبة و القدرة، لا حسب العقل السليم". فالحق الطبيعي إذن هو حق لكل موجود في كل شيء بما فيها أجسام الآخرين، و باعتماد كافة الوسائل (القوة و المكر و الصلوات و العقل ...). و هو حق مطلق لا تحده سوى الرغبة و القدرة (بمعنى هل أنا راغب في هذا الأمر أم لا؟ و هل أنا قادر عليه أم لا؟). فكل ما أنت راغب فيه و قادر عليه هو من حقك. و هذا ما كان يتهدد حياة الإنسان و دفعه إلى الانتقال إلى الحق في شكله الاجتماعي-الثقافي-التوافقي-الوضعي (أي الموضوع من طرف الإنسان للإنسان). و قد تأتى ذلك في سبيل تحقيق ثلاث رغبات: أولها الرغبة في العيش في سلم و أمن، و ثانيها الرغبة في الاحتكام إلى القوة العقلية عوض القوة العضلية، و ثالثها الرغبة في تحقيق المنفعة العامة الأكيدة عوض المنفعة الخاصة المحتملة.
أطروحة روسو
و هو يرى بأن الانتقال من حالة الطبيعة (أي الحق في مستواه الطبيعي) إلى الحالة المدنية (أي الحق في مستواه الوضعي) هو انتقال من حق القوة إلى قوة الحق. و لقد كان هذا ضرورة محتومة. "فإذا تقرر أن القوة هي التي تصنع الحق. فإن المعلول يتغير بتغير العلة: فكل قوة تتغلب على قوة أولى، فلا بد أن تخلفها و تحل محلها، و حالما يمكن العصيان دون عقاب، يمكن القيام به في صورة شرعية، أما و الأقوى هو دائما على حق، فما على المرء إلا أن يعمل ما في استطاعته حتى يصير هو الأقوى، فأية قيمة إذن للحق الذي يزول عند انقطاع القوة؟ و إذا كان من اللازم الطاعة بالقوة، فما من حاجة إلى الطاعة بالواجب. و إذا أصبح المرء غير مكره على الطاعة بالقوة، أصبح غير ملزم بهذه الطاعة. (...) فلنقر إذن بأن القوة لا تصنع الحق، و أننا لا يفرض علينا الخضوع إلا للسلطات الشرعية". و تتجلى هذه الشرعية في ما سماه بالعقد الاجتماعي و يمكن حصره في " أن كلا منا يضع شخصه و كل قوته شركة تحت إرادة الإدارة العامة العليا، و نحن نقبل أيضا كل عضو كجزء من كل غير قابل للانقسام". و بموجب هذا العقد الاجتماعي يتنازل كل منا عن حقه الطبيعي في كل ما يقدر عليه لصالح حق وضعي متفق عليه، أي التخلي عن الحرية الطبيعية المطلقة من أجل حرية مدنية مشروطة أو محدودة بالقوانين"و هكذا يحل صوت الواجب محل الباعث الجسماني، و الحق محل الشهوة". هنا و هنا فقط يترفع الإنسان عن طابعه الحيواني الصرف لتحقيق إنسانيته و تميزه عن الحيوان.
2 المحور الثاني: العدالة كأساس للحق
و تتمحور أسئلة هذا المحور حول مفهومي العدالة و الحق و العلاقة بينهما و ذلك كما يلي:
· أية علاقة تصل العدالة بالحق؟
· و بأي معنى يمكن القول بأن العدالة أساس الحق؟
· و بالتالي هل تقترن العدالة بالحق الطبيعي أم أنها تقترن بالقانون الوضعي؟
أطروحة ألان
و هو يتساءل في البدء عما يكون الحق؟ ليجيب بأن الحق هو المساواة. فمتى كانت هناك علاقة مقايضة أو تجارة و لم تكن الأشياء المتبادلة متساوية القيمة أو كان أحد الطرفين غير مؤهل لهذه العملية بسبب غبائه أو جهله أو فقره أو قصوره أو منافسة قوية له، "فإن السعر المحدد هو سعر فرصة و ليس سعرا عادلا (...) لقد ابتكر الحق ضد اللامساواة. و القوانين العادلة هي التي يكون الجميع أمامها سواسية، سواء كانوا رجالا أو نساء أو أطفالا، أو مرضى أو جهالا. أما أولائك الذين يقولون إن المساواة هي من طبيعة الأشياء، فهم يقولون قولا بئيسا". فلا حق حيث لا وجود للمساواة. أضف إلى ذلك أن "الحق هو ما اعترف به أنه حق (...) و ما وافقت عليه سلطة حكم و أعلنته على رؤوس الملأ، و بغير هذا فإنه لا وجود البتة إلا للوضع الذي يفرضه الواقع، و هو وضع يبقى الحق إزاءه معلقا". فأنا متى أقمت في بيت مدة ثلاثين سنة دون أن ينازعني أحد فيه لا أكسب بذلك حق ملكيته، بل لا بد من أن تقر و تحكم هيئة مخولة في هذا الشأن بحق ملكيتي لهذا البيت و إلا سيكون ذلك مجرد حيازة و أمر واقع فحسب. فالحق إذن يتجلى في سداد الرأي و التصريح به ليكتسب بذلك طابعه الإجتماعي. الحق هو ما اعترفت به العدالة، إذ العدالة أو القانون أساس الحق و ليس العكس. و الحق _ أخيرا _ هو المساواة بين الناس بغض النظر عن الإختلاف بينهم في السن و الجنس و اللون و اللغة و الدين و الوضع الإجتماعي... أما العدالة فهي القوانين التي يتساوى أمامها كل الناس دون استثناء. و بهذا فإن القانون يقول الحق.
أطروحة شيشرون
على العكس من الأطروحة السابقة يرى شيشرون بأنه من العبث أن يعتقد المرء بأن ما يصدر عن المؤسسات و التنظيمات من قوانين شيء عادل، "ماذا! حتى قوانين الطغاة؟ فلو أراد الثلاثون فرض قوانين على الأثينيين، و لو قبل الأثينيون كلهم تلك القوانين التي أملاها عليهم الطغاة، فهل يجب اعتبار تلك القوانين عادلة؟". كلا بالتأكيد، فالقانون لا يقول الحق. و إذا كان الأمر كذلك فعلى أي أساس ينبني الحق و تتوطد العدالة؟
جواب شيشرون هو أنه متى اعتمدنا المنفعة كمقياس للفصل بين العدل و الظلم فسيتم حينها الإستخفاف بالقوانين التي لا تجلب لنا منفعة أو تلك التي تلحق بنا مضرة، "لن توجد عدالة ما لم توجد طبيعة صانعة للعدالة، و لو تم تأسيسها على المنفعة لتغيرت بتغيرها. إذن، طالما لم يقم الحق على الطبيعة فإن جميع الفضائل ستتلاشى (...) فلكي نميز قانونا حسنا عن آخر قبيح، لا نتوفر على قاعدة غير الطبيعة. و الطبيعة لا تمكننا فقط من التمييز بين الحق و الظلم، و إنما تمكننا كذلك من التمييز بين الأشياء الحسنة و الأشياء القبيحة من الناحية الأخلاقية بصفة عامة". و الطبيعة هنا تتجلى في شيئين: أولهما العقل السليم القويم الذي يشرع ما يلزم القيام به و ما ينبغي الإمتناع عنه، و ثانيهما حب الناس الذي يحثنا على الكرم و الإيثار و احترام المقدسات و حب الوطن و خدمة الغير و الإعتراف به... فالحق و العدالة معا يتأسسان على الطبيعة و الطبيعة _ حسب تصور شيشرون هنا _ طبيعة الإنسان ككائن عاقل و ككائن أخلاقي خير، و من ثم فالأخلاق و العقل أساس الحق و العدل.
أطروحة فون هايك
انطلاقا من تصور ابيستيمولوجي خاص _ يلتقي فيه مع كارل بوبر_ اعتبر فون هايك بأن امتلاك المعرفة بصفة عامة و المعرفة الاقتصادية/القانونية بصفة خاصة بشكل كلي أمر مستحيل سواء بالنسبة للفرد أو الجماعة. لذا فإن إحاطة المرء بما يجب أن يكون عليه سلوكه بشكل علمي/قانوني أمر جد مستبعد عن غالبية أفراد المجتمع. و لكن هذا لم يمنع من أن يكون سلوك الفرد العفوي غير خال من عدل عملي تلقائي. فهناك _حسب هايك_ نوعان من الأنظمة الاجتماعية داخل كل مجتمع: أنظمة اجتماعية مؤسسة (مبنية) تتمثل في كافة مؤسسات الدولة الساعية إلى تحقيق العدالة المؤسساتية، ثم أنظمة اجتماعية عفوية (منظمة ذاتيا) تتمثل في كافة السلوكات العفوية العادلة المعتمدة من طرف أفراد مجتمع تسوده الحرية. فالسلوك الفردي العفوي التلقائي أكثر قوة و أكثر عدلا من القوانين المفبركة. و من تم فإن الضامن للعدالة في المجتمع الحر ليس هو مؤسسات الدولة و لا حتى ترسانتها القانونية بل هو السلوك العفوي الفردي للمواطنين الأحرار، و ذلك على اعتبار "أن هناك توثرا مستمرا بين القواعد المسيرة للسلوك الفردي و القواعد المسيرة لعمل المؤسسات الاجتماعية". و من تم فإن "ترك القانون في أيدي الحكومات المنتخبة مثل ائتمان قط على إناء قشدة". و لهذا فإن "دور الدولة هو ضمان نسبة كبيرة من الحرية لكل فرد". فالتصور الليبرالي لهايك يقوده إلى الاعتقاد بأنه بقدر ما نؤمن للفرد حرياته العامة في نظام ليبرالي بقدر ما نضمن سيادة العدالة بين أفراد هذا المجتمع.
3 المحور الثالث: العدالة بين المساواة و الإنصاف
و يمكن تحديد الأسئلة التي يثيرها هذا المحور و يتوخى الجواب عنها على الشكل التالي:
· غالبا ما تعتبر العدالة وسيلة تحقيق المساواة بين أعضاء المجتمع على مستوى الحقوق و الواجبات، فإلى أي حد تضمن هذه المساواة إنصاف كافة أعضاء هذا المجتمع؟
· ثم هل يمكن توقع تحقيق العدالة دون مراعاة اختلاف قدرات و مجهودات أعضاء المجتمع؟
· أين تتمركز العدالة فيما بين المساواة و الإنصاف؟
أطروحة أفلاطون
و هو يرى بأن العدالة أم الفضائل فهي تتحقق على مستوى الفرد مثلما تتحقق على مستوى المجتمع. فأما على مستوى الفرد فهو يشبه "النفس الإنسانية بعربة يجرها حصانان: حصان أسود و هو القوة الغضبية و مصدرها الصدر و فضيلتها الشجاعة، و حصان أحمر و هو القوة الشهوانية و مصدرها البطن و فضيلتها العفة، و يقودهما فارس و هو القوة العاقلة و مصدرها الرأس و فضيلتها الحكمة". و متى خضعت القوى الدنيا للقوة العليا و هى النفس العاقلة/الناطقة تحققت العدالة كفضيلة عليا. و أما على مستوى المجتمع فهو يرى بأنه يتأثث من ثلاث طبقات متراتبة لكل منها وظيفة خاصة بها: أدناها طبقة الصناع و الحرفيين و وظيفتها إنتاج الخيرات المادية، و أوسطها طبقة الجنود و المحاربين و وظيفتها الدفاع عن حوزة البلاد، و أعلاها طبقة الحكام و الساسة و وظيفتها إدارة الشأن العام و تسيير دواليب الحكم. و لا تتحقق العدالة الاجتماعية على مستوى المدينة/الدولة إلا إذا تحقق الانسجام بين هذه الطبقات و الوظائف الثلاث كما هو الشأن بالنسبة لقوى النفس الثلاث على مستوى الفرد. و المراد بالانسجام هنا "أن ينصرف المرء إلى شؤونه دون أن يتدخل في شؤون غيره". فالطبيعة أهلت كل واحد من الناس لوظيفة معينة دون غيرها، و متى أداها حق تأديتها و ترك الآخرين و شأنهم يكون قد مارس حقه و ساهم في تحقيق العدالة، "إن القدرة على أداء المهمة التي يفرضها المجتمع على كل فرد تقف في إسهامها، في كمال المدينة، على قدم المساواة مع الحكمة و العفة و الشجاعة".
أطروحة أرسطو
و هو في البدء يميز في العدالة بين مفهومها العام (الكلي) و هي تعني عنده الخضوع للقوانين الوضعية و للضمير الأخلاقي و بذلك تكون مرادفة للفضيلة، ثم مفهومها الخاص (الجزئي) المتمثل في المساواة و الإنصاف. و هذه تنقسم إلى نوعين: عدالة تعويضية و عدالة توزيعية. فأما التعويضية فيهتم بها القضاء و يتولى من خلالها تعويض المظلوم من الظالم، و ذلك إما فيما يخص المعاملات الإرادية، الناتجة عن إرادة الطرفين كالبيع و الشراء و الإقراض و ما إليها، و إما فيما يخص المعاملات غير الإرادية كالسرقة و الاعتداء و التي يتسلط فيها أحد الطرفين على الآخر. و قد سميت هذه العدالة تعويضية لأن القضاء في الحالتين الإرادية و اللاإرادية يستهدف إحقاق الحق بتعويض أصحابه و رد الأمر إلى نصابه. و أما التوزيعية فترجع إلى الدولة، و تتمثل في توزيع الأموال و الخيرات و التكاليف و الالتزامات بحسب الوضع الذي يشغله الفرد في المجتمع و المكانة التي يحتلها في الهرم الاجتماعي (سيد / عبد، غني / فقير، عالم / جاهل، عامل / عاطل، سليم / سقيم...). فالمبدأ واحد في قسمي العدالة الجزئية ألا و هو المساواة. إلا أن المساواة في التوزيعية تعتمد النسبة الهندسية إذ تراعي فضل الأفراد فتعطي كلا منهم على قدر فضله (مكانته)، بينما هي في التعويضية تعتمد النسبة الحسابية إذ تعتبر الطرفين متساويين فتعطي المظلوم بقدر ما أخذ منه الظالم، و تأخذ الظالم بمثل ما أخذ به غريمه. و بهذا فهي إنصاف إذ تنصف المظلوم بالنيل من الظالم بقدر ظلمه لا إفراط و لا تفريط.
أطروحة راولز
و ينطلق في نظريته للعدالة كإنصاف من افتراض وضعية أصلية يتصف فيها كافة الأفراد بالمساواة فيما بينهم، من أهم صفات حالة المساواة هاته أن كلا منهم خلو من كل ما يمكنه به التميز عن الغير بيولوجيا أو سوسيولوجيا أو سيكولوجيا. و هذا ما سيضمن من جهة غياب كل وضعية امتياز لأحد ما على الآخرين و من جهة ثانية الإنطلاق من وراء ستار من الجهل أي من درجة الصفر معرفيا. في مثل هذا الوضع _يزعم راولز_ أن المتفاوضين سيختارون مبدأين للعدالة مختلفين إلى حد ما: أولهما مبدأ الحرية و مفاده أن لكل فرد الحق بالتساوي مع الآخرين في نسق واسع من الحريات ما دام يسمح لحريات الآخرين بالتحقق، و ثانيهما مبدأ الاختلاف أو اللامساواة العادلة و مفاده الاعتراف باللامساواة الاقتصادية و الاجتماعية (في الثروة و السلطة)، و بما أنه ليس من بينهم من هو في مأمن من اللامساواة و النقص فإن خشية كل منهم على نفسه من أن يقع في مثل هذا الوضع تجعله يقر بأنه "من العدل فقط،، إذا تم تعويض أفراد المجتمع الأقل حظا باستفادتهم من تلك الثروة و السلطة (...) ينبغي أن يتم توزيع الإمتيازات و اقتسامها بطريقة تضمن التعاون الإرادي لكل أفراد المجتمع، بمن فيهم أولائك الأقل حظا". هكذا إذن تتأسس العدالة حسب راولز على مبدأ الحرية الذي يتطلب المساواة في الحقوق و الواجبات الأساسية ثم مبدأ اللامساواة الاقتصادية و الاجتماعية الذي يتطلب الأنصاف. "هذان المبدآن هما اللذان نصل إليهما بمجرد ما نقرر تكوين تصور للعدالة يمنعنا من استخدام المواهب الطبيعية".
بقلم الأستاذ سعيد حارث


