أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

مقدمة :

تشتق كلمة حقيقة من حق الشيء إذا أصبح ثابتا. و لكلمة حقيقة علاقة بعدة معاني منها مثلا معنى الصواب ضد الخطإ و الصدق ضد الكذب و اليقين ضد الشك و الثبات ضد التغير. و حقيقة الشيء ماهيته أي ما به الشيء هو هو (بمعنى مجموع خصائصه الثابتة و التي تحدده و تميزه عن غيره). و في الاصطلاح "الحقيقة هي مطابقة الفكر لموضوعه" أي تطابق الأفكار المتحدث بها مع الموضوع المتحدث عنه، و لكن ما عساه يكون موضوع الفكر هذا؟ هنا اختلف الفلاسفة بين من قال بأن موضوع الفكر هو الفكر ذاته، و هنا تكون الحقيقة هي مطابقة الفكر لذاته (و هذا موقف العقلانيين)، ثم من قال بأن موضوع الفكر هو الواقع، و هنا تصبح الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع (و هذا موقف التجريبيين). و الحقيقة بصفة عامة هي الهدف الأسمى لكل معرفة عامية كانت أو علمية. و هي هدف نبيل لاعتبارات شتى منها على سبيل التمثيل أنها وسيلتنا في حل ألغاز العالم المحيط بنا بغزو مجاهيله لفتح آفاق جديدة أمام العقل الإنساني بغية خلق غد أفضل للإنسان. إلا أن موضوع الحقيقة يطرح أمامنا أكثر من علامة استفهام منها مثلا: أية علاقة تقوم بين الرأي و الحقيقة؟ هل يمكن لآرائنا الخاصة أن تصبح حقائق عامة؟ ثم ما المعيار الذي تتأسس عليه الحقيقة؟ هل هناك معيار واحد أم معايير متعددة للحقيقة؟ و هل الحقيقة مجرد فكرة في الذهن أم أنها شيء متحقق في أرضية الواقع؟ ثم أية قيمة تكتسبها حقائقنا؟ و هل للحقيقة قيمة مادية أم قيمة أخلاقية أم أنها غير ذات قيمة على الإطلاق؟

الحقيقة و الرأي
الحقيقة كالشمس، قد تغيب أحياناً، لكنها لا تختفي أبداً.


1 المحور الأول: الرأي و الحقيقة

السؤال المطروح هنا هو: ما علاقة الرأي بالحقيقة: أهي علاقة اتصال أم انفصال؟ هل يمكن اعتبار الحس المشترك أو بادئ الرأي كرأي عامي متداول أساس بناء و تكوين الحقيقة؟... جوابا على هذه الأسئلة و غيرها وقفنا على الأطروحات الثلاث التالية:
أولاها أطروحة كانط و التي ميز فيها كانط بين الإعتقاد باعتباره قيمة ذاتية للحكم و اليقين باعتباره قيمة موضوعية للحكم. كما قسم الإعتقاد ذاته إلى ثلاث درجات متراتبة و هي: الرأي فالإيمان ثم المعرفة.
فأما الرأي فهو اعتقاد غير كاف لا بالنسبة للفرد ذاته و لا بالنسبة لغيره إذ أنه قابل للتغيير و التجاوز باستمرار بتغير الزمان و المكان و ظروف الإنسان. و أما الإيمان فهو اعتقاد ذو اكتفاء ذاتي لا موضوعي بحيث إنه راسخ نسبيا بالنسبة للفرد و لكنه غير ذلك بالنسبة للآخرين إذ أنه ليس واحدا بالنسبة للجميع. و أما المعرفة فهي اعتقاد يحقق اكتفاء ذاتيا و موضوعيا في الوقت نفسه، إذ أن المعرفة ثابتة نسبيا سواء بالنسبة للانا أو للغير، و بهذا فالمعرفة كأعلى مراتب الإعتقاد تتحول إلى يقين و تصبح بذلك حقيقة. و لكن ما الذي يحيل المعرفة من مجرد اعتقاد قابل للتغيير إلى يقين ثابت أي إلى حقيقة؟ جواب كانط أن علة ذلك هي ارتباط المعرفة من جهة بمبادئ العقل الخالص أي بالمبادئ الرياضية: فمعلوم أن مجال الرياضيات لا يمكن أن نقضي فيه بالاعتماد على آرائنا، فإما أننا نعرف و إما أننا نمتنع عن الحكم. كما أن المعرفة ترتبط من جهة ثانية بمبادئ العقل العملي أي بالقيم الأخلاقية: و معلوم هنا كذلك أنه لا مجال لإصدار حكم أخلاقي على سلوك ما بالإعتماد على آرائنا فقط، بل لابد من استحضار القيم و المبادئ الأخلاقية العامة المتداولة في المجتمع.
و ثانيها أطروحة ليبنتز، و هو يذهب فيها إلى أن "الرأي القائم على الإحتمال قد يستحق اسم المعرفة". فالرأي عنده متى اقترن بدرجة عالية من الاحتمال، أي متى أخذ به، و قال به، و آمن به أشخاص كثر أو لهم قيمة و وزن أو سلطة ما داخل المجتمع، فإن هذا الرأي قد يرقى إلى مرتبة المعرفة بل و حتى الحقيقة. و لكن هذا الأمر لا يصح دائما _حسب ليبنتز_ إذ أنه أحيانا قد يكون رأي الفرد أصوب من رأي الأغلبية. و للتدليل على هذا الطرح ساق لنا مثال كوبرنيك الذي كان وحده من يؤمن بثبات الأرض و كرويتها و بدورانها حول نفسها و حول الشمس و أن هذه الأخيرة ثابتة و أنها مركز الكون و رغم ذلك كان رأيه هو الصائب.
و ثالثها أطروحة المعلم الثاني أبو نصر الفارابي و الذي ذهب فيها إلى أن المعرفة العامية أسبق في الوجود من المعرفة العلمية على اعتبار أن العوام أسبق في الوجود من الخواص. و تتجلى هذه المعرفة العامية أو بادئ الرأي في خمسة صنائع و هي: الخطابة و الشعر و حفظ الأخبار (أو الرواية) و اللسان ثم الكتابة. و لما تطور الإنسان العربي اشتاقت نفسه من جهة إلى معرفة أسباب الظواهر المحسوسة و مختلف الكائنات المحيطة به فنشأت العلوم الطبيعية، و من جهة ثانية إلى معرفة الأعداد و الأشكال الهندسية و الأحجام و ما إليها فكانت الرياضيات (بشقيها: الجبر و الهندسة).
و إذا كانت المعرفة العامية العملية تعتمد على الطرق الخطابية و الشعرية و الجدالية فإن المعرفة العلمية النظرية متمثلة في الطبيعيات (التجريب) و الرياضيات (التجريد) تعتمد على الطرق البرهانية و البرهانية فقط.
نستنتج مما سبق أن أطروحة كانط تفصل فصلا كبيرا بين المعرفة (الحقيقة) و الرأي إذ هما على طرفي نقيض: فالرأي لا اكتفاء له ذاتيا و موضوعيا بينما المعرفة ذات اكتفاء ذاتي و موضوعي معا. و في نفس هذا السياق يميز الفارابي _إلى أبعد الحدود_ بين الرأي كمعرفة عامية سوقية من جهة و الحقيقة كمعرفة علمية مبرهنة و مؤسسة على التجريد (الرياضيات) و التجريب (الطبيعيات) من جهة ثانية. أما ليبنتز فيرى بأن الرأي المدعوم بدرجة عالية من الاحتمال قد يصبح حقيقة. و هذا يقودنا إلى التساؤل عما يجعلنا نميز بين الحقيقة و اللاحقيقة، فما هي معايير الحقيقة إذن؟
معايير الحقيقة


2 المحور الثاني: معايير الحقيقة

السؤال المؤسس لمشروعية هذا المحور هو: ما هي المقاييس التي يمكن اعتمادها في الحكم على فكرة ما بأنها حقيقة أو خطأ؟ ما المعيار الذي يحملنا على التمييز بين الحقيقة و غيرها؟ أو بتعبير آخر هل هناك شيء ما تنفرد به الحقيقة مقارنة باللاحقيقة؟
جوابا على هذه الأسئلة سنعرض فيما يلي لأطروحات كل من ليبنتز و كانط و فيتجنشتين:
فأما ليبنتز فذهب إلى رفض معيار البداهة المتمثل في القاعدة الأولى من قواعد المنهج لدى ديكارت ما لم نحدد و بدقة مؤشرات قوية للمقصود بالوضوح و التميز في قوله " لا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل لعقلي في وضوح و تميز لا يكون لدي معهما أي مجال لوضعه موضع الشك". و في انتظار ذلك فضل ليبنتز معيار البرهنة المعتمد في الرياضيات و لدى أرسطو و مفاده أن لا أقبل فكرة ما دونما برهان يثبت صحتها. و لكن هل تسعفنا البراهين لتزكية كافة أفكارنا و معارفنا؟ إذا كان ذلك متعذرا _و هو بالفعل متعذر_ فلنكتفي حسب ليبنتز بالأخذ بالاحتمال، أي قبول فكرة ما على أنها حقيقة متى كانت درجة احتمالها مرتفعة. و بهذا فمعيار البداهة معترض عليه، و معيار البرهنة مفضل، و إن تعذر فمعيار الاحتمال مقترح.
و أما كانط فيتساءل عما إذا كان للحقيقة معيار كوني شمولي واحد أم لا؟ لينتبه إلى أن للحقيقة شقين أو جانبين: شق أو جانب مادي ثم شق أو جانب صوري، و بالتالي يتحول السؤال السابق إلى سؤالين: هل هناك معيار شمولي (كوني) للحقيقة من جهة مادتها؟ ثم هل هناك معيار شمولي (كوني) للحقيقة من جهة صورتها؟
فأما المعيار الشمولي للحقيقة من جهة مادتها فهو منعدم الوجود لأن هذا الأمر متناقض: إذ كيف يمكن العثور على حكم (أي معيار) ينطبق على سائر الموضوعات رغم الاختلافات الحاصلة بينها، في الوقت الذي يتم فيه التمييز بين هذه الموضوعات بفضل هذا الحكم ذاته؟ مثال ذلك: هل يمكن اعتبار قابلية الامتداد بفعل الحرارة معيارا كونيا/شموليا لكل الموضوعات، في الوقت الذي يوظف فيه أصلا من أجل التمييز بين سائر هذه الموضوعات ( بين القابلة و غير القابلة للامتداد بفعل الحرارة أي بين المعادن و غيرها)؟
و أما المعيار الشمولي للحقيقة من جهة صورتها فهو موجود، و هو يتمثل في مطابقة المعرفة لذاتها أي خلوها من التناقض. و من ثم فالمعيار الشمولي/الكوني الصوري للحقيقة ليس شيئا آخر سوى القوانين الكونية للفهم و العقل أي قوانين المنطق، ففكرة ما تكون حقيقة متى كانت منطقية معقولة.
و أما فيتجنشتين فيعود بنا إلى الطفولة ليلاحظ بأننا حينها تلقينا جملة من المعلومات و المعارف عن طريق الراشدين (الآباء و المربين و المعلمين و وسائل الإعلام...)، و لسلطتهم علينا صدقناهم فآمنا بها و قبلناها كحقائق لا شك فيها و إن كانت في الوقت ذاته غير ذات دليل على صحتها سوى سلطة المؤسسة التي روجت لها (الأسرة، المدرسة، الإعلام...). و لكن لما تقدمت بنا السن و تقدمت معها تجاربنا في الحياة بدأت تتضح الصورة أمامنا أكثر. و هكذا تأكدت بفعل و بفضل التجربة صحة بعض ما تلقيناه في الصغر مثلما تأكد بطلان بعضها الآخر. فالتجربة إذن معيار الحقيقة.
نخلص في ختام هذا المحور إلى أن هناك تباينا بينا فيما بين الفلاسفة حول معايير الحقيقة، إذ هناك من قال بالبداهة (ديكارت)، أو البرهان (أرسطو و علماء الرياضيات)، و هناك من جاء بالاحتمال (ليبنتز)، و من قال بالتماسك المنطقي (كانط)، و غيره اقترح التجربة (فيتجنشتين)، بل و هناك من قال حتى بالمنفعة (ويليام جيمس). و لكن إذا كانت الحقيقة قد استدعت كل هذه المعايير بغية التأكد من صحتها فأية قيمة تكتسيها الحقيقة إذن؟

3 المحور الثالث: الحقيقة بوصفها قيمة

يتأطر هذا المحور بأسئلة عدة أهمها ما يلي: هل للحقيقة من قيمة ما؟ و هل هذه القيمة مادية نفعية أم معنوية أخلاقية؟ ألا يمكن أن تكون الحقيقة غير ذات قيمة على الإطلاق؟
هناك مواقف عدة تجيب عن هذه التساؤلات سنقف فيها أساسا على ثلاث أطروحات لكل من ويليام جيمس و كييركيكارد ثم نيتشه.
أولى هذه الأطروحات تنتمي للمدرسة البراغماتية (النفعية) و يمثلها هنا ويليام جيمس، و هي تبدأ بتحديد مفهوم الحقيقة حسب البراغماتيين و الذي يتفق مع التصور التجريبي باعتبار الحقيقة مطابقة الفكر للواقع أي مماثلة الأفكار التي لدينا عن شئ ما لهذا الشئ كما هو في الواقع. و بهذا تتصف الحقيقة بأربع صفات:
+ أولها أنها فكرة قابلة للفهم و الاستيعاب.
+ ثانيها أنها فكرة نستطيع المصادقة على صحتها و قبولها.
+ ثالثها أنها فكرة لا نفهمها و نتفق معها فحسب بل و نعززها بانخراطنا فيها و إيماننا بها و تقبلها و دفاعنا عنها.
+ رابعها أنها فكرة عملية قابلة للإنجاز إذ نتحقق من صحتها عبر استفادتنا منها.
و هكذا ففكرة ما تكتسب صفة الحقيقة بفضل ما تنجزه و تنتجه. فالحقيقة إذن ليست غاية في ذاتها و إنما هي مجرد وسيلة لتحقيق غاية غيرها، و هذه الغاية هي ما تنجزه من فعل و ما تحققه من فائدة. فالحقيقة عند البراغماتيين ليست فكرة بل هي فعل يتم إنجازه أو حدث يتم إنتاجه من أجل فكرة ما، فالفكرة إذن لا تكتسي طابع الحقيقة إلا من خلال ما تنجزه أو تقود إليه من فعل و عمل. و من هنا نفهم قول ويليام جيمس " الحقيقي هو النافع "، إذ الحقيقي هو ما يجلب لنا منفعة أو يدفع عنا أذى.
و ثاني هذه الأطروحات قال بها سورين كييركيكارد و هي تذهب إلى نفس مذهب سقراط الداعي إلى أن الحقيقة فضيلة أخلاقية عليا، و بالتالي فهي لا تعلم و لا تتعلم. و إذا كان الأمر كذلك فكيف السبيل إليها إذن؟ هل بالبحث عنها؟ هنا كذلك نصطدم بالقضية الجدلية التي أثارها سقراط و التي مفادها أنه لا يمكننا البحث عما نعرفه لأننا نعرفه، فلماذا البحث عنه إذن؟ كما أنه لا يمكننا البحث عما لا نعرفه لأننا لن نعرف حينها عما سنبحث، فعماذا سنبحث إذن؟ و إذا كانت الحقيقة كفضيلة لا تتعلم و لا يبحث عنها و لا يعثر عليها، فأين توجد إذن؟ جواب سقراط أنها لا توجد خارج الذات، إنها توجد فينا، تسكن دواخلنا. فالحقيقة جوهر روحي يوجد في النفس الناطقة/العاقلة منذ الأزل و ستبقى موجودة إلى الأبد. فهي جوهر روحي حملته النفس الإنسانية معها من عالم المثل (عالم المعقولات) قبل أن تحل بالجسد. إلا أن هذا الجسد الذي كسا النفس _بفعل شهواته من جهة و حواسه من جهة ثانية_ أنساها تلك الحقائق و حجب عنها رؤيتها. و ما على النفس الإنسانية لتستعيد معرفتها بتلك الحقائق إلا التخلي عن سلطة الشهوات و سلطة الحواس مع التحلي باستخدام العقل. و من هنا نفهم قول سقراط "المعرفة تذكر و الجهل نسيان"، و من هنا نفهم كذلك سر اعتماد سقراط على التفنن في طرح السؤال أثناء الحوار التوليدي. فالحقيقة إذن ليست مجرد وسيلة لتحقيق غاية غيرها بل هي غاية في ذاتها و قيمة أخلاقية عليا، و الإنسان مطالب بالكشف عنها، و البوح بها، و الدفاع عنها، بل و الموت في سبيلها. ألم يمت سقراط من أجل أن تحيا الحقيقة؟
و ثالث هذه الأطروحات قال بها فريديريك نيتشه، و هي تذهب إلى أن الحقيقة في الحقيقة مجرد وهم، وهم نسينا أنه كذلك. فالحقيقة و الوهم و الخطأ أو إن شئنا قلنا الحقيقة و اللاحقيقة شيء واحد. و نيتشه يرى بأن الحقيقة وهم و ذلك لسببين: أولهما الرغبة في الحياة و في العيش الآمن، إذ أن الإنسان من أجل ضمان استمرارية وجوده و العيش في سلم و أمان و مهادنة للآخر يقبل ما يصدر عن هذا الآخر على أنه حقيقة حتى لا يعكر صفو حياته دون التأكد من صحة ذلك، خاصة حينما تكون موازين القوى في صف هذا الآخر. فأصحاب القوة و السلطة ينشرون للأفكار التي تحفظ هيمنتهم و تضمن بقاءهم و الضعفاء يقبلونها كحقائق خوفا على حياتهم و ضمانا لسلامتهم، إذ أن الناس سادة و عبيد. و ثانيهما أن لغتنا ذاتها تحتمل أكثر من معنى، فنحن غالبا ما نلتمس المعنى في اللغة عبر الكلام المجازي (الاستعارات و الكنايات و التشبيهات و الطباق و الثورية و باقي المحسنات البديعية...) و التي من فرط استعمالها انزاحت عن طابعها المجازي لتحل مكان الحقيقة و ما هي بحقيقة.



بقلم الأستاذ سعيد حارث
تعليقات