أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

3 النظرية و التجريب

مقدمة عامة :

" الإنسان كائن فضولي بطبعه "إذ أنه الكائن الوحيد الذي يبحث بإستمرار عن المعرفة، فحب الإستطلاع لديه مسألة لا غنى له عنها. و لكن إذا كان هذا شأن الإنسان العامي، رجل الشارع, فكيف هو حال العالم؟ و ما المراد بالمعرفة العلمية بالأساس؟ و ما هي أسس هذه المعرفة ؟ ثم عماذا نعتمد في تحقيقها: هل على العقل وحده أم على التجربة وحدها أم عليهما معا أم على غيرهما كالحدس مثلا؟ ثم ما هي مصادر هذه المعرفة: أهي الواقع التجريبي أم العقل الإنساني ذاته؟ و ما الغاية من هذه المعرفة: فهل نحن نسعى للمعرفة حبا في المعرفة ذاتها, أي أن المعرفة غايتنا, أم أننا نسعى للمعرفة من أجل تحقيق المنفعة, أي أن المعرفة تبقى مجرد وسيلة لا غاية فب ذاتها؟ ثم ما هي قيمة هذه المعرفة ذاتها: هل هي مطلقة ثابتة أم أنها نسبية قابلة للتغير, أهي موضوعية أم ذاتية؟
تلك و غيرها أهم التساؤلات التي تثيرها هذه المجزوءة و سنعمل على ملامسة هذه التساؤلات من خلال وقوفنا في البدء على الزوج المفهومي: النظرية و التجريب و بعده على مفهوم الحقيقة.

تحت هذا الباب نود معرفة علاقة النظرية بالتجريب. و توجهنا في هذا الشأن جملة من الأسئلة نذكر منها على سبيل التمثيل ما يلي: أين يكمن الفرق بين التجربة و التجريب؟ ثم ما هي شروط التجريب العلمي و ما هي أهم خطوات المنهج التجريبي؟ و ما هي مواصفات العقلانية العلمية؟ لنصل إلى التساؤل عن ماهية النظرية و عن علاقة النظرية بالتجريب: هل يمكن الحديث عن أسبقية إحداهما عن الأخرى أم أنهما متزامنتان أو متلازمتان في الوجود؟ ثم ما هي معايير علمية النظريات العلمية؟ للجواب على هذه الأسئلة و غيرها سنقف على ثلاثة محاور وهي: التجربة و التجريب ثم العقلانية العلمية و أخيرا معايير علمية النظريات العلمية, فما هو تفصيل ذلك؟

التجربة و التجريب العلمي
ما الفرق بين التجربة و التجريب؟ ثم ما هي خطوات المنهاج التجريبي؟


1 المحور الأول : التجربة و التجريب

المطلوب هنا هو التمييز بين التجربة و التجريب بتحديد خصائص كل منهما: فأما التجربة فهي إدراك حسي عفوي مباشر لما يحيط بنا أي أنها معرفة حسية مباشرة يحياها و يكتسبها المرء من خلال فعل الحياة و ما يعيشه بشكل عام. و من هنا فهي ما يسميه البعض بالحس المشترك أو المعرفة العامية أو بادئ الرأي. و هي لا تلعب أي دور في العلم بل هي على العكس من ذلك تشكل عائقا ابيستيمولوجيا يحول دون تقدم العلم, إذ هي تقف في سبيل مواصلة العلم لتطوره بكونها توقعنا في الخطأ و توهمنا بأنه الحقيقة. و لذا فهي _ في نظر غاستون باشلار _ تستدعي إحداث قطيعة أبيستيمولوجية بينها و بين العلم. و بذلك فالتجربة العامية غير التجريب العلمي و هذا ما قال به ألكسندر كويري كذلك. أما التجريب العلمي فهو المساءلة المنهجية للطبيعة أي أنه يتطلب اعتماد منهج دقيق و منظم لمساءلة الطبيعية بحثا عن المعرفة و ذلك باعتماد خطوات و مراحل و إجراءات حصرها رونيه توم في أربعة و هي كما يلي:

أولها: عزل مجال زماني مكاني (زمكاني)هو المختبر سواء على مستوى الواقع الفعلي أو على مستوى الخيال (الذهن).
ثانيها: ملء هذا المختبر بمواد كيماوية و طاقية و كائنات حية و معدات تقنية و كل ما يستلزمه التجريب العلمي.
ثالثها: إحداث تأثير أو تغيير أو خلل ما في المنظومة أو الظاهرة المدروسة أي القيام بالتجريب العلمي المستهدف.
رابعها: تثبيت الملاحظات المسجلة و التغيرات التي حدثث على المنظومة المدروسة أي النتائج المحصل عليها بواسطة أجهزة خاصة معدة لذلك.
و هنا نكون قد حصلنا على واقعية تجريبية إلا أن هذه الواقعية التجريبية لا تكون علمية إلا إذا توفر فيها شرطان: أولهما قابليتها للتكرار من طرف علماء آخرين في أمكنة و أزمنة أخرى متى توفرت نفس شروطها. و ثانيها: أن تكون مثيرة لاهتمام نظري (علمي) أو تطبيقي (عملي), أي أن تحقق منفعة معنوية أو مادية. كما أن التجريب العلمي وحده لا يكفي لحصول المعرفة العلمية الحقة (كما ادعى ذلك فرانسيس بيكون) بل يشترط بالإضافة إلى التجريب إستخدام الفكر المبدع و الخيال الخلاق بالانفتاح على كافة الأفكار التي تعرض لنا.
أما النص الأخير لكلود برنار فيعرض لخطوات المنهج التجريبي الأربع في شكلها الكلاسيكي و هي كما يلي:
- ملاحظة ظاهرة ما في الواقع أو في المختبر،و الملاحظة نوعان : عفوية عامية ترتكز على الحس المشترك و الأحكام المسبقة ثم قصدية علمية تستند على نتائج المعرفة العلمية المكتسبة سابقا.
- اقتراح فرضية تفسر سبب حدوث تلك الظاهرة المدروسة، و الفرضية كذلك نوعان: عامية تفتقر إلى العلاقات السببية أو خيالية غير قابلة للتحقق التجريبي ثم علمية تستند على مفهوم السببية، قابلة للتحقق منها تجريبيا خالية من كل تناقص مع المكتسبات العلمية المثبتة سابقا.
- إجراء التجربة وفق شروط محددة للتأكد من مدى صحة أو خطأ الفرضية المقترحة، و التجربة العلمية كذلك نوعان: مجردة وهي التي تخلو من الإعتماد على الآلات و الأجهزة و المعدات ثم مجهزة و هي التي تستند على آلات و معدات و أجهزة و أدوات قياس دقيقة خاصة لذلك.
- استنتاج القانون المفسر للظاهرة موضوع الدراسة، و القانون العلمي يكون وفق إحدى الصور الثلاث الآتية: أولها قانون يدل على التركيب ( مثال ذلك الماء يتركب من درة من الأوكسجين و درتين من الهيدروجين) و ثانيها قانون يدل على ثوابت عددية (مثال ذلك 3،14 = PI ) و ثالثها قانون يدل على علاقة ثابتة بين ظواهر معينة ( مثال ذلك تبخر الماء عند وصوله 100 درجة حرارية ).
هذه الخطوات الأربع عند كلود برنارد شكلت العمود الفقري في العلوم الطبيعية خلال القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين. جمع كلود برنار هذه الخطوات الأربع في قولته المشهورة " الحادث يوحي بالفكرة و الفكرة تقود إلى التجربة و توجهها و التجربة تعود بدورها لتحكم على الفكرة ".

العقلانية العلمية
هل يشكل التجريب العلمي معيارا لعلمية النظرية الفيزيائية أم أن العقل الرياضي وحده يكفي لعلميتها؟


2 المحور الثاني: العقلانية العلمية

الأسئلة التي يثيرها هذا المحور تدور حول العقلانية العلمية. فهل العقل واحد خلال مسيرته التاريخية أم أنه متعدد؟ و هل هذا العقل ثابت من حيث مكوناته و طريقة اشتغاله أم أنه يتغير بتغير الزمان و المكان و الإنسان؟ ثم هل العقلانية العلمية تتميز عن بعضها البعض باختلاف العلوم و عصورها أم أنها واحدة و إن تباينت عصورها و مجالات اهتمامها؟ فهل العلم يسير صوب التقدم في خط متصل أم أنه يعرف انعراجات و منعطفات و أزمات و تقطعات ؟... هذه وغيرها من الأسئلة ستجيبنا عنها ثلاثة نصوص لكل من جون بيير فرنان محمد أركون و جون أولمو.
فأما جون بيير فرنان فيذهب إلى أننا حينما نسأل عن أصول العقل فإننا ندخله ضمن سيرورة تاريخية و بذلك يصبح ظاهرة بشرية نسبية لا مفهوما لاهوتيا قبليا مطلقا و متعاليا على الواقع المادي و الوقائع التجريبية و عن التاريخ. فالعقل حسب فرنان أنماط معينة من التفكير، و دراسات عقلية، و تقنيات ذهنية تهتم بمجالات معرفية معنية، و أشكال مختلفة من الاستدلال و البرهان، و أنماط خاصة لتقصي الوقائع و تدبير الحجج و أنواع متباينة من التمحيص التجريبي. و العقل بهذا المعنى ليس واحدا ولا ثابثا إذ هو يتباين من جهة بتباين الموضوعات التي يتناولها بحيث أن العقل في العلوم التجريبية كالطبيعيات غير العقل في العلوم التجريدية كالرياضيات، و من جهة ثانية بتباين اللغة التي يعتمدها فاللغة الطبيعية العادية في المنطق غير اللغة الرمزية في الرياضيات، و من جهة ثالثة بتباين المستوى التقني الذي وصله العلم (المكننة و الأجهزة و الآليات المعتمدة). و لهذا أقر جون بيير فرنان بأن " العقل محايث للتاريخ البشري في جميع مستوياته ".
أما محمد أركون فيرى بأن تاريخ العقل الأوروبي أو الغربي مر بثلاثة مراحل :
أولها العقل اللاهوتي القروسطي حيث عقلانية العصور الوسطى التي كانت لا تحيد عن اللاهوت و الكتاب المقدس ، و كانت تهم بالخصوص رجال الدين و من يدور في فلكهم. و كان همها الوحيد تقديم الكتاب المقدس بشكل أكثر إقناعا استنادا إلى بعض الأطروحات الفلسفية الأرسطية بالخصوص و هم ماسمي بالفلسفة المدرسية.
و ثانيها العقلانية الكلاسيكية الحديثة و هي التي ظهرت ما بين القرنين 16 و 17 مع كل من ديكارت واسبينوزا و تمثلت هذه العقلانية في نزع العقل عن اللاهوت و تمجيده باعتباره عقلا مطلقا و جوهرا روحيا يتضمن حقائق نهائية لا يتسرب إليها الشك ولا يمكنه أن يخطئ أبدا. و أنه جوهر الإنسان " أنا أفكر إذا أنا موجود ".إلا أن هذه العقلانية ظلت تؤمن بالمطلقات و البديهيات و اليقينيات.
و ثالثها العقلانية المعاصرة و هي عقلانية ظهرت مع منتصف القرن التاسع عشر خلال ما سمي بأزمة الأسس و هي أزمة عرفتها مختلف العلوم أدت إلى انهيار المطلقات و البديهيات و الحتميات و قيام العلم على ما هو نسبي فرضي احتمالي و من هنا كانت النظرية النسبية. فالعقلانية المعاصرة تؤمن بأن العقل الإنساني لا يصيب دائما كما أنه لا يخطئ دائما. إذ هو عقل يعيد النظر في ذاته باستمرار و يصحح مساره دوما إيمانا منه بأن التقدم مرهون بالروح النقدية.
أما جون أولمو فيذهب إلى أن هنالك على العموم عقلانية كلاسيكية و أخرى معاصرة : فأما الكلاسيكية فتنقسم إلى شقين : عقلانية ديكارتية مطلقة يعتبر فيها العقل الإنساني صورة من العقل الإلهي و هو واحد ثابت كامل كمالا مطلقا. ثم عقلانية كانطية نقدية تؤمن بأن العقل في حاجة إلى خبرات و تجارب لتوظيف مقولاته القبلية بهدف تحقيق المعرفة. إذ المعرفة عنده امتثال الظواهر الطبيعية للأطر العقلية و معنى هذا أن كانط يؤمن بأن لا العقل وحده و لا التجريب وحده يكفي لحصول المعرفة بل لابد من المزاوجة بين العقل و التجربة. و من هنا نفهم قولة كانط المشهورة "الحدوس الحسية بدون أطر عقلية عمياء، و الأطر العقلية بدون حدوس حسية جوفاء".
أما العقلانية المعاصرة فهي تذهب إلى أن العقل ليس جوهرا مطلقا ثابتا يحمل بداهات و طبائع بسيطة بشكل فطري كما ادعى ديكارت أو يحمل مقولات و أطر عقلية للحدس بشكل قبلي كما ادعى كانط. بل العقلانية المعاصرة تؤمن بأنه ليس للعقل مضمون دائم أو معطى قبلي إذ هو ليس جملة من المعطيات أو المعارف بل هو قدرة على القيام بعمليات تبعا لقواعد العقل. و من ثم فهو نشاط و فعالية و قدرة على الخلق و الإبداع و ليس جوهرا ثابتا.

القابلية للتكذيب أو التزييف أو التحريف معيار علمية النظرية
مهمة العلم ليست هي إنتاج الحقيقة بل الكشف عن الخطإ

3 المحور الثالث: معايير علمية النظريات العلمية

السؤال الموجه لنا في هذا المحور هو ما المعيار الذي يمكن اعتماده لتأكيد علمية النظرية الفيزيائية؟ و جوابا على هذا السؤال وقفنا على ثلاثة أطروحات متباينة لكل من اينشتاين و بيير دوهيم وكارل بوبر.
فأما اينشتاين فيذهب إلى أن بناء النظرية الفيزيائية في الفيزياء النظرية المعاصرة يرتكز بالأساس على ثلاث خطوات منهجية، أولها : افتراض أو اقتراح مجموعة من الأكسيومات أي الإواليات و الفرضيات و هي أفكار مبدئية أولية من اقتراح و من إبداع الفكر الإنساني الرياضي الخلاق، على أن تكون قليلة العدد، بسيطة و محددة بدقة. و ثانيها اقتراح مجموعة من القواعد و القوانين الأساسية قليلة العدد، البسيطة و المحددة بدقة. و ثالثها الربط فيما بين تلك المفاهيم أو الأكسيومات و الإواليات بواسطة هذه القوانين أو القواعد الأساسية ثم استنباط النتائج التي تنحدر عنها منطقيا. هذه النتائج لابد على التجريب العلمي أن يتطابق معها. و متى تعذر التطابق بينهما فالعيب كل العيب في التجريب العلمي و ليس في النتائج النظرية، لأن هذه الأخيرة تتولد عن إعمال العقل في كل لحظات بناء النظرية و التي تتأسس أكسيوميا على العلوم الرياضية. فمعيار علمية النظرية الفيزيائية في الفيزياء النظرية هو بناؤها الرياضي الصوري الأكسيومي المنطقي العقلاني. و أما التجريب فلم يعد سوى معيارا للمنفعة، بمعنى أن التجريب لا دور له في إثبات أو نفي علمية نظرية ما و إنما فقط هو مجرد وسيلة لتحقيق المنفعة و الاستفادة من النظرية.
و أما بيير دوهيم فيرى بأن النظرية الفيزيائية تتأسس على أربع عمليات أو خطوات: أولها اختيار خصائص فيزيائية محددة أي جملة من التعريفات و المقادير و القياسات الفيزيائية المعتمدة في هذه النظرية. و ثانيها اقتراح مجموعة من القضايا و المبادئ كفرضيات يتم وضعها بشكل اعتباطي. ثالثها التعبير الصوري الرياضي الرمزي عن تلك النظرية من خلا الربط فيما بين تلك التعريفات و المقادير و القياسات بواسطة هذه المبادئ و الفرضيات ثم استنباط النتائج المنحدرة عنها منطقيا. رابعها مقارنة هذه النتائج النظرية بالوقائع التجريبية أو بالأصح التحقق منها تجريبيا، فإذا أكدت التجربة صحة هذه النتائج كانت النظرية سليمة و إلا فإن العيب كل العيب في النتائج النظرية التي يتوجب حينها تصحيحها. و هنا تصبح التجربة هي المعيار الوحيد لإثبات علمية النظرية الفيزيائية.
و أما كارل بوبر فيذهب إلى انتقاد المعيار الذي اعتمدته العقلانية العلمية لإثبات علمية النظريات العلمية إلى حدود ثلاثينيات القرن العشرين. و هو معيار قابلية التحقق التجريبي، أي أن نظرية ما تكون علمية بقدر ما تكون قابلة للتحقق التجريبي في المختبر أو في الواقع، ويقترح كبديل لمعيار التحقق معيار قابلية التكذيب أو التفنيد و التزييف ومعنى هذا أن نظرية ما تكون علمية حينما تبين لنا كيفية تفنيذها و مواطن العيب و الخلل فيها و نقط الضعف التي تعتريها و في هذا يقول بوبر "إن اختبار نظرية ما تماما مثل اختبار جزء من آلة ميكانيكية يعني محاولة تبين العيب فيها, و بالتالي فإن النظرية التي تعرف مقدما أنه لا يمكن تبيان العيب فيها أو تفنيذها لهي نظرية غير قابلة للاختبار"، و بالتالي فهي ليست علمية، إذ "ليس علميا إلاما هو قابل للتكذيب و التزييف".
نستنتج مما سبق أن معايير علمية النظرية العلمية لم تعد هي قابليتها للتحقق التجريبي فحسب و لا حتى خضوعها للصياغة الرياضية الرمزية الصورية الأكسيومية المنطقية بل و كذا قابليتها للتزييف و التكذيب و التجاوز . كل ذلك بحثا عن الحقيقة، و لكن ما هي الحقيقة ؟ وما علاقتها باللاحقيقة ؟

النظرية و التجريب العلمي
أيهما أسبق في الوجود من الأخرى: النظرية أم التجريب العلمي؟





تعليقات